الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تدريب عنيف على الخسارة

عماد الطيب
كاتب

2026 / 1 / 2
الادب والفن


تسألني في كل مرة: ماذا تريد؟ حدّد أهدافك معي.
وتضع الصداقة عنوانًا عريضًا، وتطالب بأن يكون كل شيء تحته واضحًا، مضبوطًا، محدد السلوكيات، كأن العلاقة ملف إداري، أو عقدٌ يحتاج إلى بنود تفسيرية وهوامش قانونية. لكنك لا تنتبهين إلى أن بعض العلاقات لا تُدار باللوائح، ولا تُقاس بالمصطلحات، ولا تنصاع لفكرة “التحديد” مهما بدا ذلك عقلانيًا ومريحًا.
أنا حين أُسأل عمّا أريد، أكتشف أن السؤال ذاته مربك. لأن الرغبة في العلاقات الإنسانية ليست خيارًا جاهزًا يُسحب من قائمة، بل حالة شعورية تتشكل ببطء، ثم تستقر، ثم تفرض نفسها دون استئذان. أنا لا أعرف ماذا أريد بالصيغة التي تطلبينها، لكنني أعرف ماذا لا أستطيع. لا أستطيع أن أكون محايدًا في حضرة من أحب، ولا قادرًا على ارتداء دور الصديق بينما القلب يعمل بكامل طاقته كحبيب.
أن نكون أصدقاء، تقولين، وتحت هذا العنوان يكون كل شيء واضحًا. لكن أي وضوح هذا الذي يُطلب من قلبٍ تعوّد أن يرى أبعد مما يُقال؟ الصداقة هنا ليست براءة كاملة، بل صيغة مخففة من الحب، محاولة عقلانية لاحتواء شعورٍ فائض دون الاعتراف به. هي صداقة بطعم الحب، ورائحة الحب، وقلق الحب، لكنها بلا حقوقه ولا دفئه ولا أمانه. وهذا بالضبط ما يجعلها موجعة.
الصداقة حين تأتي بعد الحب، أو على حافته، لا تكون صداقة خالصة. تكون اختبارًا يوميًا للقوة، ومحاكمة صامتة للذات. أن أراك وأكتم، أن أسمعك وتفيض الكلمات داخلي ولا تُقال، أن أفرح لك وكأن شيئًا في داخلي لا ينكسر. تلك ليست صداقة، بل تدريب قاسٍ على الخسارة المؤجلة.
تقولين: إن لم تكن حبيبًا، فكن صديقًا. وكأن الأمر انتقالٌ سلس من غرفة إلى أخرى. لكن الحقيقة أن الحبيب لا يستطيع أن يُنزِل نفسه درجة دون أن يتأذى، ولا أن يغيّر لغته الداخلية بسهولة. الحبيب يرى التفاصيل التي لا يراها الصديق، ويتأثر بما لا يُفترض أن يؤثر فيه. ولهذا، فإن مهمة أن تكون صديقًا وأنت ما زلت تحب، هي من أصعب المهام الإنسانية، لأنها تتطلب خيانة شعورية للذات باسم النضج.
أنا لا أرفض الصداقة لأنها قليلة القيمة، بل لأنها هنا تُطلب كبديلٍ غير متكافئ، كحلٍ وسط لا يرضي القلب ولا يُنهي الأسئلة. أرفضها لأنها تُبقيني معلّقًا: لا قريبًا بما يكفي، ولا بعيدًا بما يحميني. لأنني حين أكون صديقًا لك، سأظل أتصرف بتهذيبٍ زائد، بصمتٍ مدروس، بانتباه لا يليق إلا بحبيب، ثم أعود وحدي لأدفع ثمن هذا الانضباط القاسي.
الوضوح الذي تطلبينه مفهوم، وربما ضروري لكِ، لكن وضوحي مع نفسي يقول شيئًا آخر: إما أن أكون حاضرًا بكامل حقيقتي، أو أن أبتعد بكرامة. المنتصف في المشاعر ليس مكانًا آمنًا، بل منطقة استنزاف بطيء، نخسر فيها أنفسنا باسم العقل.
لهذا، حين أقول إنني لا أعرف ماذا أريد، فأنا أقول الحقيقة كاملة. لكنني أعرف أنني لا أريد علاقة تُجبرني على تصغير قلبي ليتناسب مع تعريفٍ مريح. لا أريد صداقة تُطالبني بأن أكون أقل مما أشعر، ولا حبًا مؤجلًا تحت مسمى آخر. ولا أي شيء يبعدني عن شعوري الحقيقي .
أحيانًا، أقسى القرارات ليست أن نختار، بل أن نعترف بأن بعض الصيغ لا تناسبنا، مهما بدت ناضجة ومنطقية. وأحيانًا، يكون الابتعاد الصادق أرحم من القرب الملتبس. لأن الصداقة، حين تُفرض على قلبٍ عاش الحب، تتحول من نعمة إلى امتحان، ومن مساحة أمان إلى ساحة صراع صامت. ومن الحقيقة الى التزلف والزيف . بعض القلوب لاتقبل تقسيم مشاعرها او تبديل هويتها .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة


.. زين البحرين تحتفي باليوم الرياضي البحريني بفعالية تعزز ثقافة




.. السينما الليبية… مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في م


.. ستايل توك - Tom Ford و Adele في عمل واحد قريبا في فيلم Cry t




.. الكلاسيكو - لقاء مع كابتن أحمد بلال والناقد الرياضي أحمد درو