الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الهجر حين يفقد دهشته
عماد الطيب
كاتب
2026 / 1 / 2
الادب والفن
حين افترقنا هذه المرة، لم يهبط ذلك الإحساس الثقيل بالغربة كما كان يفعل سابقًا. لم تتكاثف الوحشة في صدري، ولم أشعر بأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. كان الفراق أقل رهبة، أخف وطأة، كأنه خبر قديم يُعاد تلاوته بلا دهشة. ربما لأن القلب، قبل العقل، كان يعرف مسار الأيام، وكان قد تعلّم — بصمت موجع — كيف يهيّئ نفسه للهجر قبل وقوعه.
ثمة فراقات لا تأتي صادمة، بل تأتي مألوفة على نحو مخيف. فراقات لا تُسقطك دفعة واحدة، بل تضعك أمام مرآة تعبك الطويل. عندها لا تبكي لأنك فقدت الآخر، بل لأنك أدركت أنك فقدته منذ زمن، وأن ما حدث الآن ليس سوى إعلان رسمي لخسارة كانت مكتملة في الداخل. القلب، حين يعتاد الغياب، يفقد قدرته على الفزع، ويكتسب قدرة باردة على الاحتمال.
كنت أعلم، في زاوية خفية من روحي، أن هذا الهجر سيعود سريعًا، لا لأن الحب انتهى، بل لأننا اعتدنا الفقد كما يعتاد الجسد الألم المزمن. يصبح الوجع جزءًا من الإيقاع اليومي، لا يلفت الانتباه إلا حين يغيب. وهكذا، لم يكن الفراق هذه المرة حدثًا استثنائيًا، بل حلقة أخرى في سلسلة انسحابات صغيرة، متكررة، أنهكت المشاعر قبل أن تقتلها.
الغربة الحقيقية لا تبدأ حين نبتعد عن من نحب، بل حين نألف ابتعادهم. حين لا نندهش من غيابهم، ولا نرتبك من صمتهم، ولا نعدّ الأيام انتظارًا لعودتهم. عندها فقط ندرك أن القلب استقال من موقع الدهشة، وأنه صار يتعامل مع الفقد كحقيقة مستقرة، لا ككارثة مؤقتة.
ربما كان هذا أخطر ما في الأمر: أن نفترق دون ضجيج داخلي، دون انهيار، دون ذلك الذعر الذي كان يرافق الرحيل في المرات الأولى. أن نغادر ونحن نحمل في داخلنا طمأنينة حزينة، طمأنينة من يعرف أن الألم لن يفاجئه بعد الآن، لأنه أصبح جزءًا من ذاكرته العاطفية، لا طارئًا عليها.
هكذا تركنا بعضنا، لا كغرباء، بل كمن أنهكهم التكرار. تركنا بعضنا والقلب يعرف طريق الهجر كما يعرف طريق العودة، لكنه لم يعد يثق بكليهما. ففي النهاية، أقسى ما يصيب الحب ليس الفراق ذاته، بل اعتياد الفراق… حين يصبح الهجر مألوفًا، وتغدو الخسارة أقل إيلامًا، وأكثر حزنًا.
وما يزيد هذا المشهد قسوة أننا، في لحظة ما، سنعاود استكمال أيامنا التي سبقت الهجر، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن القلوب لم تُستنزف، وكأن الكسور الصغيرة لم تترك شروخها الخفية. سنضحك بالطريقة ذاتها، ونتبادل الكلمات نفسها، لكن بشيء من البرود الذي لا يُرى. غير أن الأيام، ببطئها الماكر، ستتكفل بما تبقى؛ ستسحب هذه الحكاية من مركز الذاكرة إلى أطرافها، وتضعها في خانة النسيان الهادئ، ككتاب انتهيت من قراءته بعناية، أغلقت صفحته الأخيرة دون ندم، ثم وضعته على رف بعيد، لا لأن قصته لم تكن مهمة، بل لأنها أدت دورها كاملًا ولم يعد لها ما تضيفه. هناك، في ذلك الرف البعيد، ستستقر الذكرى بلا وجع، بلا شغف، مجرد عنوان مرّ ذات يوم من هنا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب
.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة
.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08
.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن
.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت