الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المغرب بعيون العليان

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2026 / 1 / 3
الصحافة والاعلام


لم أكن أعرف خالد العليان قبل منافسات كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، ولم يكن اسمه يرن في أذني مثل أسماء المؤثرين الذين اعتدنا رؤيتهم يقفزون ويرقصون في كل محفل رياضي، يرفعون شعارات كبيرة، ويستعرضون نفس الحركات المتكررة على شاشاتنا ومواقع التواصل. لكن شيئًا ما في مقاطع الفيديو التي نشرها على فايسبوك جذبني وأجبرني على التوقف، ليس لأنه مؤثر مشهور أو لأنه يحمل جهاز تصوير باهظ الثمن، بل لأن كل لقطة كان يصورها كانت صادقة، بعيدة عن التكلف، تحمل روح الشخص الذي يرى العالم للمرة الأولى ويستمتع بكل تفصيل فيه.

كانت كاميرته تتجول في المدن المغربية وكأنها تتعرف عليها لأول مرة، تتوقف عند الأزقة الضيقة، والساحات الصاخبة، والمقاهي الشعبية، وتلتقط تفاصيل صغيرة يغفل عنها غالبية المغاربة يوميًا. لم يكن يبحث عن المعالم الكبرى وحدها، بل عن روح المكان، عن التفاصيل التي تُخبرك بما لا تستطيع اللافتات ولا الإعلانات أن تقول. كل لقطة كانت تنبض بالدهشة الصادقة، والفرحة البسيطة، بعيدة عن الصراخ أو محاولة فرض حضور مصطنع. هذا النوع من العفوية هو ما يجعل المحتوى مختلفًا، وما يجعل رسالة الفيديو تصل إلى القلب قبل العين.

ومع كل هذا الجمال البصري، كان الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو الطريقة التي قدّم بها المغرب كشخصية كاملة: بلد آمن، بنيته التحتية محترمة، وجهته السياحية واضحة، لكن الأهم من ذلك كله، الشعب المغربي. لم يضع المغاربة كخلفية للمناظر، بل جعلهم محور المشهد، عرّف العالم على بساطتهم، على طيبوبتهم، على قدرتهم الفطرية على الترحيب بالآخر. لم يكن يبحث عن استثناءات أو مواقف استعراضية، بل عن اليومي العادي الذي نعتبره نحن أهل البلد تقليديًا، لكنه في عيون زائر صادق يصبح مألوفًا وجميلًا ويستحق أن يُروى.

وأنا أتابع تلك المقاطع، لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل: كيف يمكن لشخص أجنبي، في أيام معدودة، أن ينقل صورة متكاملة وصادقة عن المغرب، بينما يفشل كثير من المؤثرين المغاربة، الذين يقفون على نفس المنصات ولديهم نفس الفرص، في تقديم شيء يشبه هذا الصدق والعمق؟ الفارق ليس في الإمكانيات أو الأجهزة، بل في النية، في الرؤية، في القدرة على رؤية التفاصيل العادية كقصص تستحق أن تُروى.

خالد العليان لم يأتِ ليجعل نفسه نجم الفيديو، ولم يسعَ إلى الظهور على أنه المبدع أو الشخص الأكثر شهرة، بل ترك المغرب يتكلم عن نفسه من خلال صوره وأهله. هذا النوع من الاحتراف العفوي، الذي يقدّر التفاصيل ويحترم الناس، لا يظهر كل يوم، ويذكرنا بما نفتقده غالبًا في محتوى مشبع بالأنانية والمبالغة. إنه يعلمنا أن القوة الحقيقية لأي محتوى ليست في الميزانية أو عدد المتابعين، بل في الصدق والنية النقية والقدرة على منح الآخرين فرصة أن يظهروا على حقيقتهم.

لقد تعرفت عليه من خلال فايسبوك، وربما لم ألتقِ به شخصيًا بعد، لكن تلك المقاطع تركت في نفسي أثرًا كبيرًا: إحساسًا بأن المحتوى العفوي الصادق قادر على صنع فرق، وأنه قادر على تقديم صورة مشرّفة عن بلد كامل دون شعارات جوفاء ولا مؤثرين متكلفين. إنه عمل يستحق الشكر والتنويه، ليس لأنه أظهر المغرب فقط، بل لأنه أعاد لنا – نحن أهل المغرب – رؤية ما نملكه من جمال وبساطة وكرم وطيبوبة، أشياء غالبًا ما نغفل عنها أو نأخذها كأمر مفروغ منه. وربما هذا هو الدرس الأهم: أن المحتوى الحقيقي ليس في ما نصرخ به، بل في ما نلتقطه بعين صادقة ونتركه يحكي الحقيقة كما هي، بدون تكلف ولا استعراض.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يهدد بضرب منشآت مدنية في إيران.. هل تبدأ مرحلة التصعيد


.. محاولة فهم | جامعة الدول العربية.. بين وحدة الموقف وتباين ال




.. بعد 8 عقود.. لماذا لم تصبح جامعة الدول العربية اتحادا بصلاحي


.. تونس والجزائر تواجهان موجة حرائق واسعة وعمليات الإخماد مستمر




.. رئيس لبنان يحسم أمر السلاح: لا آمان إلا بجيش واحد