الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نور والحائط المفقود

عزالدين محمد ابوبكر

2026 / 1 / 3
الادب والفن


- إن الخوف شيء يجافي العقل.
وعلى العقل أن يتغلب عليه.

«رجل المنطق»، في مسرحية "RHINOCEROS"، للمبدع أوجين يونسكو.

الضوء كان قاسيًا، يرتطم بـ جفنيّ كأنه مادة صلبة.
فتحتُ عينيّ، لم يكن هناك حائط جهة الشرق.
حيث كان ينبغي أن يكون الطوب والحجارة والطلاء الرمادي، وجدتُ الفراغ، والشارع، وسماءً زرقاء شاحبة لا مبالية.
كنتُ عارية على السرير، وجسدي الأبيض يبدو تحت هذا الضوء غريبًا، كأنه سمكة كانت على إحدى الطاولات، معروضةٍ في إحدى المحلات...

وعلى الشرفة المقابلة، كان الجار يقف.

لم يكن يرتدي قميصًا.

وكانت يده تتحرك بإيقاع رتيب فوق جسده.
كان ينظر إليّ، أو بالأحرى، كان يستهلك المساحة التي يشغلها جسدي.
لم يكن في نظراته حقد، ولا حب؛ كان هناك فقط ذلك النهم الفيزيائي المجرد.

شعرتُ ببرودة الهواء تلامس جلدي، وبدأت حرارة الشمس تسخن ساقي، وكانت لحظة تخلو من الزمن.
نهضتُ.
لم أصرخ، فالصراخ يتطلب إيمانًا بأن هناك من سيسمع، والشارع كان صامتًا تمامًا...
جريتُ.
جريتُ نحو الحمام كأنني أهرب من قذيفة.
كانت الحركة سريعة، وغير متسقة، تشبه حركات الهاربين في أفلام الحروب القديمة.
أغلقتُ الباب الخشبي.
هنا، كانت الجدران الأربعة لا تزال في مكانها.
سحبتُ رداءً قطنيًا ولففتُ به جسدي.
شعرتُ بالخوف؛ خوفًا تقنيًا من فكرة الاختراق.
ثم، وبشكل غير منطقي، شعرتُ بوخزة من الرضا.
جسدي، الذي نسيتُ وجوده في زحام الأيام، قد حرّك كائنًا آخر.
لقد كنتُ "موجودة" لأن هناك عينًا رأتني.
لكن الفكرة تلاشت فورًا تحت ثقل الحقيقة الإجتماعية.
هذا الرجل، الذي يملك الآن تفاصيل تضاريسي، سيحمل قصتي إلى مقهى الحي.
سيتداولون إسمي مع دخان السجائر ورائحة الفحم والمعسل.
سأكون "الزانية" في عيونهم، زانية الصدفة والقدر، التي لم تجد "المخلص" في طريقها ليقول لهم: "من كان منكم بلا خطيئة.."
في عالمي هذا، الكل يملك حجرًا، والكل مستعد للرمي.
فجأة،
دوى صوت ارتطام.
باب الشقة فُتح بعنف، أو ربما كان مفتوحًا أصلاً.
خطوتُ نحو الصالة.
وكان هناك رجل يرتدي نظارات سوداء، يحمل عصا لا أتذكر نوع خشبها، ويقف في منتصف الفراغ حيث كان الحائط مفقودًا.
بدا وكأنه يقف على حافة الهاوية.
ثم،
قال بصوت جهوري، لكنه خالٍ من النغمات: "أنتِ نور؟".
كنتُ أرتجف.
البرد والحرارة كانا يتصارعان تحت ردائي.
أجبته بصوت لم اتعرف عليه: "نعم!"
حرّك رأسه يمينًا ويسارًا كأنه يشم الهواء، ثم قال بهدوء مرعب: "جاركِ وصفكِ لي.
قال إن البياض هنا يشبه القيامة.
أحببتُ أن أجيء لأقول لكِ: اصحي يا نور!".
بقيتتُ مكاني.
لم يغادر الرجل، ولم يعد الحائط، وظل الجار في الشرفة المقابلة يراقب العدم.
وكانت الشمس قد ارتفعت قليلاً، وأدركت أن الحياة صعبة لأنها تطلب جدرانًا، بينما الموت سهل...
سهل كـ غرفة بلا حائط، يقتحمها العميان ليخبرونا أننا استيقظنا...
أو يجب علينا أن نستيقظ!

انتهى بدون مقدمة لكنه مع استدراكات!

- الخيال هو أكثر ما يميز الإنسان عن الحيوان. لذا، لا يمكن للجنس أن يكون طبيعيًا فعلاً، أي أعمى.

صـ ١٠٤، ذهب أزرق (مفكرة II)؛ تأليف: ألبير كامو، ترجمة: نجوى بركات.

حاولت هنا أن استلهم في هذا النص أسلوب كامو في رائعته "الغريب"؛ حيث استخدمت جملاً تقريرية قصيرة، وكانت غائية وصفي هي التقاط كل ما هو فيزيقي، بدايةٍ من الضوء القاسي، حتى ملمس القماش، وعندما بدأت أصابعي تنتقل من حرف إلى حرف، على كيبورد هاتفي، كنت من أعماقي ساعيًا إلى التأكيد على الرمزية المكانية؛ لأن الغرفة في تفكيرنا مجرد مكان/حدث اعتيادي، لكن أليست الغرفة عندما تفقد حائطها، تكون رمزًا لانتهاك الخصوصية الوجودية؟

لأن الحائط ليس مجرد كومة من الطوب المكدس فوق بعضه، بل هو ذلك الحد الفاصل بين "الأنا" و"العالم"، وإن سقوط الحائط يعني أن البطلة/نور أصبحت "مشاعة" للعالم.

وأعتقد أن أصابعي المتنقلة بين حروف الكيبورد، قد وُفقت في مهمتها من أجل كسر التوقعات، وخلق ما أرجو أن يكون صدمة سردية، عندما قمت بـ جعل الاعمى يدخل، لأن الأعمى دائمًا في السردية التقليدية، هو من لا يرى الجمال*، لكنه هنا جاء "ليؤكد" الجمال بناءً على وصف الجار، وهذا الأمر من وجهة نظري من المفترض أن يكسر السردية الاعتيادية، متخذًا من سردية كافكا الانمساخية نبراسًا، وإن أكملت جريمة الكتابة!
فإنني لدي أمل، في أن اكتب جاعلاً من البطل صريحًا لدرجة البرود، مستخدمًا جملاً صغيرة مطلية بالفينومينولوجيا، تصرخ صراخًا وجوديًا...

وفي قصة نور هذه، أبعاد كثيرة لكنها لا تخرج عن دائرتي الفكر الوجودي والعبثي، لأن نور استيقظت لتجد الحائط مفقودًا وهذا حدث عبثي لا تبرير له، لكن نور لم تسأل لماذا سقط الحائط؟، أو أين ذهب الحائط؟، بل تفاعلت مع سقوط الحائط، والعبث هنا هو قبول اللامنطق كـ واقع معاش.

لكن تتجلى لنا علاقة الأنا بالآخر في قصة نور بشكل مذهل؛ حيث الجار الذي تتحرك يده بـ إيقاع رتيب فوق جسده، ليس مجرد منحرف، بل هو الآخر الذي جعل كينونة "نور" تتحول من إنسان ذو إرادة، إلى شيء، بينما "نور" شعرت بوجودها لأن الآخر قد رآها، وهذا هو "جحيم" سارتر؛ لأننا لا نستطيع تعريف أنفسنا إلا من خلال عيون الآخرين، ونور مغتربة عن جسدها وهذا نعرفه من وصفها أو تشبيهها لجسدها، وهي أيضًا مغتربة عن مجتمعها، وما يدعم هذا الأمر، هو اعتقاد نور بأن الناس سيحكمون عليها بأنها زانية مع أنها لم ترتكب شيئّا، بل هي ضحية!

وإن نص نور لمن النصوص القليلة التي لا غنى عنها في التحليل النفسي الفرويدي (لمن لا يزال مهتمًا به)؛ حيث يكفي فقط أن نحاول التفكير في مفهوم الأنا الأعلى عند فرويد، وقراءة القصة، لكن نداء الأعمى وسؤاله هو إشارة إلى أننا دائمًا مرئيون (أو على الأقل هناك من يحاول رؤيتنا)، حتى عندما نظن أننا في عتمة غرفتنا...

ونص اليوم يعلمنا أنه يكفي إزالة الحائط، لنعرف مدى ضعفنا، ومدى قوتنا...
ومدى معاناة الفرد في مجتمع القيل والقال...
نور في قصتنا شخصية من محض الخيال، ولدت من رؤيتي لـ العبث واللا منطق كـ قيم لها ثقلها في المجتمع المصري...

وأنا أريد أن أذكر كل من قرأ في الفلسفة الوجودية أو سمع عنها، أنها لا خير فيها إن كنت تراها أيديولوجية، ولا خير فيك إن كنت لا تعلم أن الوجودية هي تحمل للمسؤولية وعبء الحرية، ووقفة بودلرية أمام التابوهات المجتمعية.

لذا، أبحث عن الفكر ”الثقيل“، لكي لا تطير في فراغ العدم...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات