الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من نوح الطوفان إلى نوح غانا

العفيفي فيصل

2026 / 1 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


بعيدا عن الجدل القائم حول أصل القصص الدينية إن كانت تقارير تاريخية، أو فقط سرديات ذات صبغة ميتافيزيقية، إلا أنها وباتفاق المختصين في علم أنثروبولوجيا الأديان ذات بناءات رمزية كثيفة، ظهرت في سياقات اجتماعية محددة لتخفيف القلق الوجودي من جهة، وتأسيس الهوية الجمعية من جهة أخرى، غير أن الإشكال يبدأ حين تنتقل هذه القصص من مجال الرمز الحكائي إلى مجال العقيدة، ومن أفق القراءات التأويلية، إلى مطرقة لاهوتية صلبة تُستخدم لتحقيق الطاعة والهيمنة.
يرى كلود ليفي ستروس أن القصص الدينية كانت لغة تفكير المجتمعات القديمة أمام ما تواجهه من توترات لا تستطيع فهمها وتفسيرها (الموت، الأمراض، الفياضات، الزلازل ...)، ولهذا لا يجب أن تُفهم حرفيًا وإنما بالمعنى والمقصد، غير أن اللاهوت في مختلف الأديان فعل العكس إذ أبعد القراءة الرمزية لها، وحوّلها إلى حقيقة واحدة نهائية، ثم بنى عليها بشكل مُؤدلج منظومة أحكام وتشريعات لا تقبل النقاش، وهنا لا تعود القصة مجالًا للفهم، بل أداة حكم وتحكّم، ولعّل الأنثروبولوجي ميرسيا إلياد قصد هذا حين أكّد أن الزمن المقدس في الأسطورة يُستحضر كلما أُعيدت القصة، أي أن السرد هو ما يمنح الجماعة ذلك الشعور بالعودة إلى الأصل، وبما أن هذا الاستحضار غالباً ما يكون من طرف مؤسسة دينية أو رجل دين كاريزمي، فإن القصة ستتحوّل إلى سلاح بيد من يحسن إعادة سرديتها، إذ من يملكها يملك حق تعريف الأصل، ومن يُعرّف الأصل له حقّ تحديد المؤمن من الفاسق من الكافر، ومن هي الفرقة الناجية والفرقة الضالة.
لا يمكن حصر أمثلة هذا التحويل في مقال نظراً لكثرة القصص الدينية (قصة الولادة من عذراء، الصعود إلى السماء، الثالوث، الخروج، الفداء، نهاية العالم...)، ولكن لنركّز على قصة الطوفان والسفينة نظراً لتواجدها منذ أديان بلاد الرافدين واليونان والصين إلى الأديان التوحيدية، فمن حيث قراءتها الرمزية هي تعبير عن الخوف الجمعي من الفناء، من الفساد والظلم في العالم ونتيجته العقوبة الإلهية، وعن الحلم بإعادة تأسيس عالم مثالي خالي من الشرّ، ولكن من الناحية اللاهوتية والقراءة الحرفية المغلقة لها ستصبح خطاب تهديد متكرر في كل زمان ومكان (نحن سفينة النجاة، ومن يتبعنا فقط سيكون من الناجين)، وبهذا المنطق، لا يعود الطوفان حدثا رمزيا للعبرة، بل وعدا أيديولوجيا بالعقاب، ولعّل مدعي النبوّة نوح غانا هو المثال المعاصر الحيّ على كيفية استغلال الرمز القصصي في الخطاب الديني الشعبوي، حيث نجح في إعادة إنتاج نوح الطوفان كرمز لا بوصفه شخصية تاريخية، والدليل أن النبي نوح في قصته يحاور قومه ويدعوهم بالتي هي أحسن، وصبر على أذى غير المؤمنين برسالته مئات السنين، وكان هو من يصنع السفينة ... غير أن نوح غانا بعدما أفلح في تمرير فكرة فساد العالم، وقرب نهايته، والنجاة لا تكون سوى بركوب سفينته، قام بتبرير القطيعة مع فئات المجتمع غير المصدقة له باسم السماء، وشرعنة الإقصاء باسم الإيمان، وجمع ملايين الدولارات باسم الامتثال لأوامر الرب، ونجح في إعادة إنتاج ثنائية “نحن الناجون” و“هم الغارقون” في مجتمعات إفريقية تعاني الفقر المعرفي والاقتصادي، وتُعلّق آمالها في الهوس الديني، وبالتالي لم يتّم استخدام القصة لفهم الإنسان، بل لإدانته، وإعادة ضبطه، وسرقة ما في جيبه.
في هذا السياق، لم يعّد مهماً التساؤل هل القصة صحيحة تاريخيًا، بل وجب النظر كيف تُستعمل؟ ولصالح من؟ وضد من؟ لأن استدعاء رموز القصص الدينية لتكريس خطاب الكراهية، أو لتخويف الناس من العلم والآخر المختلف والأنثى والعقوبة من السماء، وهذا ما تفعله بعض الحركات الدينية، وما يصنعه بعض الوعاظ، فسنكون أمام لاهوت سياسي مسلّح وليس أمام إيمان بريء، بتعبير آخر، المحك اليوم ليس في نقد القصص الدينية، بل في تحريرها من السجن اللاهوتي، وإعادتها إلى مجالها الإنساني والرمزي، فالأصل فيها نشر الوعي وليس توظيفها لتسيير الجماعة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف واجهت مصر محاولة إعادة الجناح المسلح لتنظيم الإخوان؟ | #


.. تنظيم الإخوان على قوائم الإرهاب.. ما الذي تغيّر؟ | #عماد_الد




.. بتوقيت مصر يناقش تأثير القرار الأمريكي ضد الإخوان، والتأثيرا


.. نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا




.. أمريكا تنقل معتقلين من تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى