الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
فنزويلا بين الشرعية والسيادة ومحاولات الانقلاب
نبيل محمد سمارة
(Nabil Samara)
2026 / 1 / 4
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم نبيل محمد سمارة
في عالم تتشابك فيه المصالح الدولية، وتدار فيه الصراعات بأدوات تتجاوز الدبلوماسية إلى حافة القوة الصلبة، وجدت فنزويلا نفسها مجدداً في قلب عاصفة سياسية وأمنية خطيرة، بعد ما كشف عنه من محاولات إنزال عسكري واستهداف مباشر لرأس الدولة، الرئيس نيكولاس مادورو. حادثة لا يمكن توصيفها إلا بوصفها اعتداء صارخاً على دولة ذات سيادة، وانقلاباً واضحاً على الشرعية الدستورية التي أفرزها صندوق الاقتراع.
إن أي عمل عسكري يستهدف رئيساً منتخباً، مهما كانت الذرائع التي تساق لتبريره، لا يمكن فصله عن مفهوم الانقلاب، حتى وإن جرى تغليفه بخطاب «الديمقراطية» أو «تحرير الشعوب». فالرئيس مادورو، سواء اختلفنا أو اتفقنا مع سياساته، هو رئيس معترف به أممياً، وانتخب وفق الآليات الدستورية الداخلية لبلاده، ويحظى باعتراف مؤسسات الدولة الفنزويلية، وعلى رأسها الجيش والقضاء.
التوصيف الذي حاولت بعض الدوائر السياسية في الولايات المتحدة تسويقه، وعلى رأسها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأن ما جرى يعد «انتصاراً» أو خطوة في طريق «استعادة الديمقراطية»، لا يصمد أمام أبسط معايير القانون الدولي. فالانتصار يقاس بإرادة الشعوب الحرة، لا بعمليات إنزال عسكري، ولا بمحاولات اغتيال أو اختطاف قادة دول ذات سيادة.
ما حدث في فنزويلا، وفق كل الأعراف السياسية والقانونية، هو فعل غادر، لأن الغدر يكمن في محاولة إسقاط نظام سياسي بالقوة الخارجية، متجاوزاً إرادة الشعب، ومستبيحاً سيادة دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. ولو فتح هذا الباب على مصراعيه، لما بقيت دولة في العالم بمنأى عن التدخل والانقلاب.
القانون الدولي واضح في هذا الشأن: لا يحق لأي دولة، كائناً من كانت، أن تتدخل عسكرياً في شؤون دولة أخرى، أو أن تدعم جماعات مسلحة بهدف تغيير نظام الحكم. ومبدأ عدم التدخل واحترام السيادة الوطنية ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ركيزة أساسية للاستقرار العالمي.
إن استهداف فنزويلا بهذه الطريقة يعكس استخفافاً خطيراً بهذه المبادئ، ومحاولة لإعادة إنتاج منطق الهيمنة الذي عانت منه دول أميركا اللاتينية لعقود طويلة، حيث كانت الانقلابات تدار من الخارج، وتنفذ بأياد محلية مأجورة.
بعيداً عن الخطاب السياسي المعلن، يصعب تجاهل البعد الاقتصادي لما جرى. ففنزويلا ليست دولة هامشية، بل تمتلك واحدة من أكبر احتياطات النفط في العالم، إلى جانب ثروات طبيعية هائلة جعلتها دائماً محط أطماع القوى الكبرى.
إن ما جرى لا يمكن فصله عن هذا السياق، حيث تبدو الغاية الحقيقية من هذه العمليات هي السيطرة على مقدرات دولة معترف بها دولياً، ونهب ثرواتها تحت عناوين براقة. فالتاريخ الحديث حافل بأمثلة لدول دمرت باسم «الديمقراطية»، فيما كانت ثرواتها تنهب على مرأى ومسمع العالم.
مهما بلغت حدة الخلافات السياسية داخل فنزويلا، فإن حلها يجب أن يبقى شأناً فنزويلياً خالصاً. وحده الشعب الفنزويلي، عبر الانتخابات والآليات الدستورية، يملك الحق في تقرير مصيره، وتغيير قيادته إن شاء. أما فرض التغيير بالقوة، فهو وصفة مؤكدة للفوضى، وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
إن الدفاع عن فنزويلا اليوم ليس دفاعاً عن شخص أو حزب، بل دفاع عن مبدأ، مفاده أن الشرعية لا تسقط بالطائرات ولا بزوارق الإنزال، وأن سيادة الدول ليست ورقة تفاوض في سوق المصالح الدولية.
ما جرى في فنزويلا يجب أن يدان بوضوح، بعيداً عن الاصطفافات السياسية، لأنه يمس جوهر النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول وإرادة الشعوب. أما تصوير هذا الفعل كـ«انتصار»، فليس سوى قلبٍ للحقائق، ومحاولة لتجميل فعل غادر، هدفه النهائي ليس الحرية، بل السيطرة على الثروات وفرض الوصاية.
ستبقى الشرعية، مهما تعرضت للضغط، أقوى من المؤامرات، وستظل سيادة الدول خط الدفاع الأول في وجه عالمٍ لم يتخل بعد عن شهوة الانقلابات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لقاء خاص مع وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية فارسين أغاب
.. لأول مرة منذ 1967.. قرار إسرائيلي يشعل الضفة
.. خارج الصندوق | واشنطن: ترمب جاهز للقاء المرشد الإيراني
.. بعد عودة السفراء.. رئيس النيجر يزور الجزائر • فرانس 24
.. نبض فرنسا: هل ينتزع اليمين المتشدد بلدية مرسيليا؟