الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 1 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في مجتمعاتنا، لا أحد ينكر أن التديّن يأخذ أشكالًا لا عد ولا حصر لها. بين من يعيش إيمانه في صمت عميق كالسر الدفين، ومن يجعل تدينه طبلًا يقرعه في كل منبر كي يدوي قبل أن يوضح. هذا التنوع في ذاته طبيعي، بل دليل على اختلاف البشر وتفاوت تجاربهم. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الإيمان من تجربة روحية تصالح الإنسان مع نفسه، إلى راية للتلويح أمام الناس، وبطاقة تعريف اجتماعية تسبق صاحبها إلى كل مكان.
هناك فئة لا بأس بها، يدخل أفرادها إلى عالم التدين كما يدخل المرء إلى غرفة جديدة: دفعة واحدة، دون مقدمة أو صراع داخلي. تتغير ملامحهم بسرعة مدهشة، ملبسهم، لغتهم، دوائرهم، وحتى نبرة الصوت التي تصعد درجة كأنها تعلن ولادة جديدة. غير أن اللافت هنا ليس التدين بحد ذاته، بل الإصرار على أن يقدم ذاته الجديدة أمام الآخرين، لكي يحظى بمعاملة تتناسب مع لافتة جديدة معلقة على الصدر.
بهذه الصورة، يصبح التدين رأسمالًا اجتماعيًا أكثر منه قناعة شخصية. وسيلة صعود لا طريق تزكية. يرفع صاحبه لافتاتٍ ضخمة كتب عليها: "الصدق، التقوى، العفة، العدل"، وكأن الرموز تغني عن الجوهر. والمجتمع بدوره يتغاضى، لا يسأل كثيرًا، لأن المظهر الجديد يكفي لتغطية كل ما قبله.
من هنا نفهم الحماسة المفرطة عند البعض في "الدفاع عن الدين". يبدو دفاعهم عقائديًا في الظاهر، لكنه في العمق دفاع عن الذات الجديدة، عن الصورة التي صمموها بعناية، عن الدرع الذي يحجب ماضيًا أو شكًا أو ضعفًا. فحين يتعرض الدين لسؤال أو لتأويل جديد، يقفز المتدين الشكلي إلى الصفوف الأولى، يقصف ذاك المختلف بأسلحة التخوين والتخويف والتكفير، لا لأنه الأشد غيرةً على العقيدة، بل لأنه يخاف أن تهتز صورته ومكانته الشخصية.
هنا يغدو التدين غطاءً أكثر منه تجربة إيمانية. غطاءً لأخطاءٍ أو تناقضات أو رغبة في التطهر أمام الناس، لا أمام الله. فيختفي الإيمان الصامت، ذاك الذي لا يحتاج تصفيقًا ولا جمهورًا، لأنه ببساطة لا يدر مكاسب اجتماعية ولا يصنع "مكانة الواعظ".
المفارقة أن هذا النمط من التدين يقف على النقيض من جوهر الفكرة الدينية نفسها. فالإيمان الصافي فعل ثقة وطمأنينة، لا فعل استعراض وقلق. المؤمن الحقيقي لا يصرخ مدافعًا في كل جدل، لأنه يعرف أن الله لن يتعرض لتهديد بسؤال، ولا يحتاج لمحامين غاضبين. فالعقيدة، حين تكون صادقة، لا ترتبك من النقاش، ولا تخاف من الاختلاف.
أما حين يتم اختزال الدين إلى أداة اجتماعية، فإنه يتحول إلى منظومة عصبية، يتحكم بها الخوف من فقدان النفوذ لا الخشية من الله. عندها لا يعود الفارق بين الناس في درجة الإيمان، بل في دوافع التدين: هناك من يؤمن لأنه وجد في الإيمان معنى، وهناك من يتدين لأنه وجد فيه أداة اجتماعية تنقله إلى موقع اعتباري.
وربما هنا تكمن الحقيقة المزعجة: أن كثيرًا مما يسمى "دفاعًا عن الدين" ليس إلا دفاعًا عن امتيازات رمزية وصور مصقولة. ومجرد الاقتراب من هذه الحقيقة يثير الإزعاج والخوف، لأنه يسحب الغطاء عن أوهام مريحة. لكنه اقتراب لا بد منه، إن أردنا أن نفرق بين من يعيش الدين كقيمة، ومن يستخدمه كوظيفة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. خارج الصندوق | ماذا بعد تصنيف أميركا لأفرع الإخوان كمنظمات إ
.. أميركا تُصعد ضد الإخوان.. تصنيف إرهابي وتحول استراتيجي | #غر
.. العاشرة | أول تعليق من مصر بعد تصنيف أميركا لفروع الإخوان كم
.. خطوة أميركية تقلب المشهد.. هل يحاصر تنظيم الإخوان عالميا؟ |
.. كلهم باعوك يا مرشد.. الإعلامي أحمد سالم: أخيرا أمريكا صنفت -