الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العروبة والإسلام: دراسة بانورامية في إشكالية الهوية العربية بين المرجعية الدينية والمرجعية القومية

حسن خليل غريب

2026 / 1 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تمهيد
تُعد العلاقة بين العروبة والإسلام من أكثر القضايا الفكرية حساسية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر. فهي ليست مجرد نقاش نظري، بل قضية مصيرية يتوقف عليها مستقبل الأمة العربية بين خيار الوحدة أو خطر التفتيت. منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع سقوط المرجعية الإسلامية العثمانية، دخلت المسألة القومية ساحة الفكر السياسي العربي، لتتشكل معادلة جديدة قوامها تياران رئيسان: الحركة الأصولية الإسلامية والحركة القومية العربية.
في هذا السياق يأتي كتاب حسن خليل غريب «في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام» (دار الطليعة – بيروت، 1999)، ليقدّم قراءة بانورامية شاملة لهذه الإشكالية، رابطًا بين التاريخ والفكر والسياسة، ومؤكدًا على ضرورة تجاوز الانحيازات الأيديولوجية عبر اعتماد المنهج النقدي الموضوعي.
يهدف الكتاب إلى تتبع الإطار التاريخي لأزمة الهوية العربية. وتحليل مرحلة التأسيس العقائدي والسياسي للفكر القومي. ومناقشة جدلية العلاقة بين العروبة والإسلام. والدعوة إلى حوار علمي يتجاوز الانقسامات التقليدية.
وإن جوهر النقاش يتمحور حول سؤال الهوية: هل هي دينية إسلامية أم قومية عربية؟ وهو سؤال لم يُحسم بعد بشكل واضح، مما يجعل الحوار حوله ضرورة فكرية وسياسية. فالوحدة الحقيقية لا تتحقق بمواجهة العدوان الخارجي فقط، بل تحتاج أيضًا إلى بناء داخلي متماسك على المستويات الفكرية والعقائدية والسياسية.
ولذلك نقدِّم للقراء الأعزاء عرضاً مكثَّفاً وشاملاً للكتاب

مقدمة الكتاب:
في مقدمة كتابه يضع حسن خليل غريب هذه الإشكالية في إطارها التاريخي والاجتماعي والسياسي، محاولًا رسم لوحة بانورامية شاملة تتيح مقاربة أكثر موضوعية بعيدًا عن الانحياز الأيديولوجي.
1-أزمة الهوية العربية: يشير غريب إلى أن الأمة العربية عانت أكثر من غيرها من أزمة الهوية، إذ لم تعرف مرجعية سياسية عربية خالصة عبر تاريخها الطويل، بل ارتبطت بالدولة الإسلامية بقيادة غير عربية، كان آخرها الدولة العثمانية. ومع سقوط الخلافة العثمانية، وجدت الأقطار العربية نفسها أمام سؤال وجودي: هل تنشد وحدتها في إطار إسلامي أم قومي؟ هذا السؤال ظل مفتوحًا، وأصبح محورًا للصراع الفكري والسياسي.
2-الانقسام الفكري والتيارات المتعارضة: منذ انهيار المرجعية الإسلامية، برز تياران رئيسيان، وهما: التيار الإسلامي السلفي الذي يرى الوحدة في الدين ويعتبر الرابطة الدينية أساسًا جامعًا. والتيار القومي الليبرالي الذي يرى الوحدة في القومية ويعتبر الهوية العربية إطارًا جامعًا. ورغم رفعهما شعار الوحدة، إلا أن الخلاف حول مضمونها أدى إلى استنزاف الطاقات الفكرية والسياسية، بدلًا من توظيفها في بناء قواسم مشتركة. وقد ساهم هذا الانقسام في إضعاف المشروع الوحدوي العربي.
3-دور القوى الخارجية: يُبرز غريب كيف استغلت القوى الخارجية هذه الثغرة، فدعمت التيارات السلفية الإسلامية في مواجهة التيارات القومية والوطنية، مما عمّق الانقسام وأضعف فرص التوافق الداخلي. وهكذا تحولت إشكالية الهوية إلى ساحة صراع مفتوحة أمام التدخلات الخارجية.
4-المواقف الأيديولوجية: توزعت المواقف الفكرية بين اتجاهين متناقضين: اتجاه ينفي العلاقة بين الدين والقومية ويضعهما في موقع التعارض المطلق. واتجاه توفيقي يرى تكاملهما باعتبارهما نبتتين لبيئة واحدة، مع اختلاف في أولوية المنطلق بين القومي والإسلامي. وفي مقابل هذه المواقف، حاول بعض الباحثين اعتماد المنهج الأكاديمي الموضوعي، بعيدًا عن الانحياز الأيديولوجي، مما فتح الباب لحوار هادئ قد يخدم الوحدة المنشودة.
5-منهج المؤلف: يؤكد غريب أن بحثه يسعى إلى تقديم لوحة بانورامية شاملة للإشكالية، عبر تتبع نشأتها التاريخية وتفاعلها مع السياقات الداخلية والخارجية، مستفيدًا من الأبحاث التفصيلية السابقة، وداعيًا إلى الحوار العلمي وتقبل النقد لتصويب الثغرات. هذا المنهج يهدف إلى تجاوز الصخب الأيديولوجي، والاقتراب من الحقيقة عبر البحث العلمي الموضوعي.


أولاً: الإطار التاريخي لأزمة الهوية العربية: من الصفاء القومي إلى الإسلام الأممي
افتتح غريب البانوراما التاريخية بمرحلة الصفاء العربي منذ الجاهلية حتى العصر الأموي، حيث كانت الهوية العربية واضحة المعالم. مروراً بالعصر العباسي الذي شهد انتقالًا من الدولة القومية إلى الدولة الأممية، ما أدى إلى تراجع المرجعية العربية لصالح المرجعية الإسلامية الأوسع. تلك المرحلة تمثَّلت بالعصرين المملوكي والعثماني، حيث تلاشت التجربة السياسية العربية المستقلة، وبرزت أزمة الانتماء القومي. واستمرت المرحلة حتى انهيار الدولة العثمانية، حيث فقدت الأمة العربية مرجعيتها الإسلامية الجامعة، ووجدت نفسها أمام سؤال وجودي: هل تنشد وحدتها في إطار إسلامي أم قومي؟ هذا السؤال ظل مفتوحًا، وأصبح محورًا للصراع الفكري والسياسي في القرن العشرين بين تيارين رئيسيين، وهما: التيار الإسلامي السلفي الذي يرى الوحدة في الدين. والتيار القومي الليبرالي الذي يرى الوحدة في القومية. ورغم رفعهما شعار الوحدة، إلا أن الخلاف حول مضمونها أدى إلى استنزاف الطاقات الفكرية والسياسية، بدلًا من توظيفها في بناء مشروع وحدوي متماسك.

ثانياً: مرحلة التأسيس العقائدي والسياسي للفكر القومي العربي في مواجهة الاستعمار والحداثة
شكّلت هذه المرحلة بداة رحلة التكوين العقائدي والسياسي للفكر القومي العربي، حيث تداخلت المؤثرات الداخلية مع التحديات الخارجية، وأصبح الفكر القومي العربي أمام اختبار التفاعل مع الحضارة الغربية والإمبريالية. وفيها اعتبر غريب أن الفكر القومي العربي لم يكن مجرد رد فعل على انهيار المرجعية الإسلامية أو على التحديات الاستعمارية، بل كان مشروعًا فكريًا يسعى إلى بناء هوية جامعة، قام بتقسيمها إلى عدة أبعاد، وهي التالية:
-البعد العقائدي: ارتبط بمحاولة صياغة رؤية قومية تستند إلى اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة.
-البعد السياسي: ارتبط بمواجهة الاستعمار الأوروبي، والسعي إلى الاستقلال وتأسيس دول قومية حديثة.
أما عن التفاعل مع الغرب فاعتبر أن هناك علاقة معقدة بين الفكر القومي العربي والحضارة الغربية، استناداً إلى أنه كان هناك رفض للهيمنة الإمبريالية التي سعت إلى تفتيت المنطقة العربية وإضعاف وحدتها من جهة، ومن جهة أخرى، كان هناك تفاعل مع منجزات الحضارة الغربية في مجالات الفكر والسياسة والتنظيم، حيث استفاد القوميون العرب من بعض المفاهيم الحديثة مثل الدولة الوطنية والديمقراطية والحقوق المدنية. هذا التفاعل المزدوج يعكس جدلية القومية العربية بين الانفتاح على الحداثة والحفاظ على الخصوصية الثقافية.
ومن هذا التوصيف الذي كان حاصلاً حينذاك، بدأت مرحلة التأسيس العقائدي والسياسي التي كانت حاسمة في بلورة المشروع القومي العربي، إذ وضعت الأسس الفكرية والسياسية التي ستؤثر لاحقًا في النقاش حول العلاقة بين العروبة والإسلام. فهي المرحلة التي حددت ملامح الهوية القومية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وأرست قاعدة للحوار مع التيارات الفكرية الأخرى. وأخذت تتضح حقيقة أن العلاقة بين العروبة والإسلام لا يمكن مقاربتها بمعزل عن السياق الفكري والسياسي الذي نشأت فيه القومية العربية.

ثالثاً: جدلية العروبة والإسلام:
القواسم المشتركة ونقاط الاختلاف في المشروع الوحدوي

تحت هذا العنوان يحلل غريب نقاط الالتقاء والاختلاف، وكيف انعكست هذه الجدلية على الواقع السياسي والفكري العربي.
1-القواسم المشتركة: نشأت العروبة والإسلام في بيئة واحدة، وتقاطعا في عناصر أساسية، ومن أهمها: اللغة العربية التي شكّلت وعاءً جامعًا للثقافة الإسلامية والقومية معًا. والتاريخ المشترك الذي وحّد العرب والمسلمين في تجارب سياسية واجتماعية متداخلة. والقيم الحضارية التي ساهمت في بناء هوية جامعة تتجاوز الانقسامات الجزئية. هذه القواسم جعلت من الممكن النظر إلى العروبة والإسلام كركيزتين متكاملتين في مشروع الوحدة.
2-نقاط الاختلاف: رغم القواسم المشتركة، برزت اختلافات جوهرية، ومن أهمها، التيار الإسلامي السلفي يرى أن الرابطة الدينية هي الأساس الجامع، ويرفض أي رابطة أخرى. بينما التيار القومي الليبرالي يرى أن الهوية القومية هي الإطار الأوسع، ويعتبر الدين عنصرًا ثقافيًا لا سياسيًا. وهذا التباين أدى إلى صراع فكري طويل، حيث استُخدمت الهوية الدينية والقومية في مشاريع سياسية متناقضة.
3-لقد انعكس هذا الصراع على الواقع السياسي: القوى الخارجية استغلت الانقسام لتعزيز التيارات الإسلامية في مواجهة القومية. وحاول بعض المفكرين إيجاد أرضية مشتركة، معتبرين أن العروبة والإسلام ليسا متناقضين بل متكاملين. وأشارت المراجعة إلى تشابه بعض المواقف بين الإسلاميين والماركسيين تجاه المسألة القومية، ما يعكس تعقيد الجدلية الفكرية.
وفي الخلاصة اعتبر غريب أن العلاقة بين العروبة والإسلام ليست علاقة تناقض مطلق، بل علاقة جدلية تتضمن عناصر تكامل وصراع في آن واحد. وإن تجاوز الانقسام يتطلب الاعتراف بالواقع التاريخي والبحث عن أرضية مشتركة، بما يتيح بناء مشروع وحدوي أكثر رسوخًا.

رابعاً: دعوة إلى تجاوز الانحياز الأيديولوجي وبناء وحدة داخلية متماسكة
تحت هذا العنوان يدعو غريب إلى حوار علمي موضوعي يتجاوز الانحياز الأيديولوجي، باعتباره الطريق الأمثل لبناء مشروع وحدوي عربي متماسك. ولهذا السبب يؤكد أن بحثه اعتمد منهجًا بانوراميًا، يقوم على الآتي: رسم الإطار التاريخي للإشكالية. وتتبع القضايا الرئيسة ووضعها في سياقها السياسي والاجتماعي والفكري. والاستفادة من الأبحاث التفصيلية السابقة، مع مناقشة نتائجها حيثما دعت الحاجة. وبهذا المنهج يهدف إلى تقديم رؤية شاملة تتجاوز التجزئة، وتضع العلاقة بين العروبة والإسلام في سياقها التاريخي والفكري المتكامل.
ومن أجل الوصول إلى نتائج إيجابية يدعو غريب إلى حوار علمي هادئ بعيدًا عن الصخب الأيديولوجي. وتقبل النقد وتصويب الثغرات من قبل الباحثين الآخرين. والاعتراف بالتنوع الفكري باعتباره عنصرًا ضروريًا لتطوير المشروع الوحدوي العربي.

خاتمة الكتاب
منذ أواخر القرن التاسع عشر، دخلت المسألة القومية ساحة الفكر السياسي العربي الحديث والمعاصر باعتبارها قضية توحيدية كبرى. ومع سقوط النظام العثماني، الذي مثّل المرجعية الإسلامية الجامعة، برزت معادلة فكرية جديدة على الصعيد العربي، قوامها اتجاهان رئيسان: الحركة الأصولية الإسلامية من جهة، والحركة القومية العربية من جهة أخرى. ورغم محاولات التوفيق بينهما، ظل الصراع قائمًا حول تحديد هوية الأمة.
واعتبر غريب أن العلاقة بين العروبة والإسلام تتسم بجدلية معقدة؛ فهي تحمل نقاط التقاء تجعل من الصعب الفصل التام بينهما، كما تحمل نقاط افتراق تمنع اندماجهما الكامل. ومن هنا تأتي الحاجة إلى صياغة علاقة سليمة تقوم على التكامل، لا على التناقض، بما يضمن وحدة الأمة واستقرارها.
ولذلك دعا إلى ضرورة النقد الموضوعي، بدراسة التراث والمتغيرات المعاصرة دراسة نقدية موضوعية، بعيدًا عن المسلّمات الجاهزة والانفعالات السياسية المؤقتة. فالحركات الأصولية الإسلامية، التي تميل إلى الانغلاق، تستند إلى مسلمات غير قابلة للنقاش مثل التقيد الحرفي بالنص أو اعتبار التجارب السياسية الإسلامية السابقة نماذج مثالية. غير أن البحث التاريخي يبيّن أن تلك التجارب، بما فيها الخلافة الراشدة والعصر العباسي، لم تقدّم نموذجًا سياسيًا أو فكريًا متكاملًا قادرًا على حل مشكلات الأمة بشكل دائم، بل أسست لصراعات طويلة الأمد.
ولأن القوى الخارجية تتربَّص بالعرب جميعاً على شتى انتماءاتهم الدينية والعرقية، وعلى شتى انتماءاتهم الدينية والوضعية، يصبح الحوار المفتوح على الوصول إلى نتائج توحيدية، يصل غريب إلى أن مواجهة العدوان الخارجي، رغم أهميتها القصوى، لا تكفي لاستعادة استقلال الأمة. فالوحدة الحقيقية تتطلب أيضًا التخلص من حالة التفتيت الداخلي على المستويات الفكرية والعقائدية والسياسية. وإن وحدة الصف في مواجهة الخارج هي وجه واحد للعملة، أما الوجه الآخر فهو بناء داخلي وحدوي متماسك. وإذا لم يتحقق هذا التوازن، ستبقى الأمة عرضة للهدم الذاتي حتى لو نجحت في صد المعتدي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خارج الصندوق | ماذا بعد تصنيف أميركا لأفرع الإخوان كمنظمات إ


.. أميركا تُصعد ضد الإخوان.. تصنيف إرهابي وتحول استراتيجي | #غر




.. العاشرة | أول تعليق من مصر بعد تصنيف أميركا لفروع الإخوان كم


.. خطوة أميركية تقلب المشهد.. هل يحاصر تنظيم الإخوان عالميا؟ |




.. كلهم باعوك يا مرشد.. الإعلامي أحمد سالم: أخيرا أمريكا صنفت -