الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زيارة الخبير بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل (1971) رؤية فرنسية مبكّرة للتجديد الحضري وصون التراث

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

2026 / 1 / 5
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتحديدًا سنة 1971، شهدت قلعة أربيل زيارةً علميةً بالغة الأهمية، قام بها الخبير الفرنسي بيير لوبوتو، رئيس مهندسي النُصُب التاريخية في فرنسا آنذاك، وذلك في إطار اهتمام دولي متزايد بالمواقع التاريخية ذات القيمة الإنسانية العالمية. وقد استغرقت زيارته الميدانية للقلعة أربعة أيام متواصلة، خصّصها لدراسة أوضاعها العمرانية والمعمارية والاجتماعية دراسةً دقيقةً وشاملة.

تشخيص الواقع العمراني للقلعة
وصف لوبوتو الحالة العمرانية لقلعة أربيل في تلك الفترة وصفًا صريحًا لا يخلو من القسوة العلمية؛ إذ رأى أن الجدران متصدعة، والأزقة متداعية، وأن أجزاءً واسعةً من النسيج العمراني قد تحوّلت إلى أكوام من الخرائب، تعكس عقودًا طويلة من الإهمال وغياب الصيانة المنهجية.

ومع ذلك، أكّد في الوقت نفسه أن القلعة، على الرغم من هذا التدهور، ما تزال تحتفظ بشخصيتها المعمارية والتاريخية الأصيلة، وبروحها الحضرية المتجذّرة، وهو ما يمنحها قابليةً حقيقيةً للإنقاذ والتجديد، لا للهدم أو الإلغاء.

رؤية لوبوتو لتطوير قلعة أربيل
انطلاقًا من تشخيصه الميداني، توصّل لوبوتو إلى مجموعة من الحلول الاستراتيجية لتطوير القلعة، يمكن اعتبارها من أوائل التصوّرات العلمية الحديثة للتجديد الحضري في أربيل، ومن أبرزها:

أولًا: التحريات الأثرية
اعتقد لوبوتو أن قلعة أربيل قد تحتوي في باطنها على كنوز وآثار تاريخية ونُصُبٍ ذات أهمية بالغة، وأن الكشف عنها – إن ثبت وجودها – سيشكّل حدثًا إعلاميًا وثقافيًا فريدًا على مستوى المنطقة، ويسهم في تعزيز مكانة القلعة عالميًا بوصفها موقعًا حضاريًا متراكم الطبقات عبر آلاف السنين.

ثانيًا: الصيانة العامة والحفاظ على الحياة اليومية
دعا لوبوتو إلى اعتماد مفهوم الصيانة الشاملة للقلعة، لا بوصفها موقعًا أثريًا جامدًا، بل نسيجًا سكنيًا حيًا نابضًا بالحياة. وأكّد ضرورة:

- الإبقاء على عدد من المباني السكنية بهدف الحفاظ على مظاهر الحياة اليومية والفعاليات الاجتماعية.
- إعطاء الأولوية المطلقة لصيانة وإعادة تأهيل الأسوار وفق شكلها التاريخي الأصلي، باعتبار ذلك الخطوة الأولى والواجبة قبل أي تدخل آخر.
- الحفاظ على المباني السكنية داخل السور لضمان استقرار الأسوار من الناحية الإنشائية.
- استبدال المنازل التي يتعذّر ترميمها بمبانٍ جديدة، على أن تُشيَّد بطرازٍ يحترم ويتآلف مع العمارة التقليدية القائمة، ولا سيما المبنية من الطابوق والخشب، من حيث الحجم والارتفاع والمواد والواجهات.

ثالثًا: التنظيمات السياحية والثقافية داخل القلعة
بعد استكمال أعمال الصيانة، رأى لوبوتو ضرورة إدخال تنظيمات سياحية وثقافية مدروسة داخل القلعة، تقوم على:

- تحويل القلعة إلى مركز جذب سياحي وثقافي.
- احتضان الفعاليات الثقافية والمعارض والأنشطة المرتبطة بالتراث.
- تحقيق توازن دقيق بين السكن، والسياحة، والوظيفة الثقافية، بما يحافظ على روح المكان دون تشويهه أو تحويله إلى متحف مغلق.

أهمية هذه الزيارة في تاريخ القلعة
تمثّل زيارة بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل محطةً مفصليةً في تاريخ التفكير العلمي بشأن مستقبل القلعة، إذ إنها:

- تُعدّ من أقدم الدراسات الدولية المتخصصة في تجديد قلعة أربيل.
- سبقت كثيرًا من المشاريع والبرامج التي طُرحت لاحقًا.
- أكدت مبكرًا على مبدأ «الحفاظ مع التطوير»، لا الهدم والاستبدال.

وقد كنتُ من أوائل الباحثين الذين وثّقوا هذه الزيارة وناقشوا مضامينها، حين تناولتُها في كتابي «التجديد الحضري لقلعة أربيل» الصادر سنة 1985، وذلك في وقتٍ لم تكن فيه هذه الرؤى قد تحوّلت بعد إلى سياسات أو مشاريع تنفيذية.

خاتمة
إن العودة اليوم إلى دراسة لوبوتو، بعد أكثر من نصف قرن، ليست استحضارًا لذكرى عابرة، بل تذكيرٌ بأن قلعة أربيل كانت – وما تزال – موضع اهتمام عالمي، وأن إنقاذها وتطويرها يتطلّبان رؤيةً علميةً عميقة، شبيهةً بتلك التي طُرحت منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن بوسائل وإمكانات معاصرة.
فالقلعة، كما رآها لوبوتو، ليست مجرد أطلال، بل مدينة تاريخية حيّة، تستحق أن تُصان، وتُفهم، وتُعاد إلى الحياة بكرامة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين


.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط




.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت


.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا




.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية