الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شناعة عقوبة السرقة متتالية في التراث الإسلامي

محمد ابراهيم عرفة

2026 / 1 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


المقدمة
لا خلاف بين المسلمين على أن القرآن نصّ صراحة على قطع يد السارق، كما ثبت أن النبي ﷺ أقام هذه العقوبة في سياقها التاريخي والاجتماعي الخاص. وهذا النص القرآني يُفهم – عند كثير من الباحثين المعاصرين – في إطار زمنه، حيث كانت المجتمعات بدائية في نظم السجون والإصلاح، وكان الردع الجسدي هو الوسيلة الأساسية لحماية الأمن العام.
ومن هنا، فإن محل النزاع والنقد ليس النص القرآني ذاته ولا الفعل النبوي في سياقه، بل ما جرى لاحقًا من توسّع فقهي شديد في تطبيق العقوبة وتحويلها إلى منظومة قمعية متصاعدة.
أولًا: الانتقال من حد واحد إلى منظومة بتر متتالية
المثير للدهشة أن المذاهب الفقهية الأربعة لم تكتفِ بقطع اليد اليمنى في السرقة الأولى، بل اتفقت – في الجملة – على أن السارق إذا عاد للسرقة تُقطع رجله اليسرى بعد قطع يده اليمنى، وهو ما يمثّل تصعيدًا بالغ القسوة، يحوّل الإنسان إلى جسد مُبتور عاجز عن الحياة الطبيعية.
ثانيًا: الخلاف حول قطع اليد اليسرى
اختلف الفقهاء بعد ذلك:
هل تُقطع اليد اليسرى بعد قطع الرجل؟
أم يُكتفى بالحبس والتعزير؟
فذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، ونُقل هذا القول عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وبعض الحنابلة، وهو مذهب الجمهور، إلى قطع اليد اليسرى، وهو رأي يكشف مدى تغليب منطق الردع الجسدي على أي اعتبار إنساني أو إصلاحي.
ثالثًا: العقوبة في المرة الرابعة
لم يتوقف التشدد عند هذا الحد، بل ذهب جمهور الفقهاء إلى أن السارق في المرة الرابعة:
تُقطع رجله اليمنى،
وبذلك يكون الإنسان قد فقد أطرافه الأربعة تقريبًا، ليصبح عاجزًا بالكامل عن العمل والحركة والحياة.
رابعًا: الإشكال الأكبر… ماذا بعد الخامسة؟
هنا يظهر الاضطراب الفقهي بأوضح صوره:
ما معنى السرقة الخامسة؟
وبأي وسيلة تُرتكب وقد قُطعت جميع الأطراف؟
ومع ذلك، لم يتردد بعض الفقهاء في طرح سؤال أشد قسوة:
هل يُقتل السارق في الخامسة أم يُحبس؟
فذهب بعض الفقهاء إلى القول بقتله،
بينما استقر رأي الجمهور على حبسه.
وهذا يكشف أن الفقه لم يعد يتعامل مع إنسان حيّ قابل للإصلاح، بل مع “جسد مجرم” يُدار بعقلية استئصالية لا تتوقف عند حدّ.
خاتمة نقدية
إن هذه المنظومة العقابية المتدرجة لا تستند إلى نص قرآني صريح، بل هي اجتهادات فقهية بشرية بُنيت على عقلية الردع والعنف، لا على مقاصد الشريعة في الرحمة والعدل والإصلاح.
وتحويل حدّ واحد محدود إلى سلسلة من البتر المتتابع ثم القتل أو السجن المؤبد، يمثل واحدة من أكثر صور القسوة في التراث الفقهي، ويجعل من الضروري اليوم إعادة قراءة هذا التراث قراءة نقدية، تفرّق بين النص الإلهي، والاجتهاد البشري، وبين مقاصد العدالة في عصرنا الحديث.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف واجهت مصر محاولة إعادة الجناح المسلح لتنظيم الإخوان؟ | #


.. تنظيم الإخوان على قوائم الإرهاب.. ما الذي تغيّر؟ | #عماد_الد




.. بتوقيت مصر يناقش تأثير القرار الأمريكي ضد الإخوان، والتأثيرا


.. نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا




.. أمريكا تنقل معتقلين من تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى