الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن

عماد الطيب
كاتب

2026 / 1 / 5
قضايا ثقافية


لم تكن خصومة الحكومة مع المثقف وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها في إجراء إداري أو تأخير منحة، كما هو حاصل اليوم مع منحة المثقف العراقي التي يفترض أن تُعدّ حقاً مشروعاً لا منّة فيه. ما يجري ليس تفصيلاً عابراً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من القطيعة المتراكمة بين السلطة والمثقف، قطيعة لها جذور عميقة في بنية الحكم ونظرته إلى المعرفة والنقد.
تاريخياً، تنظر السلطات المتعاقبة إلى المثقف بوصفه عنصراً مقلقاً لا شريكاً في البناء. فالمثقف بطبيعته يمارس السؤال، ويعيد تفكيك المسلّمات، ويضع السلطة تحت مجهر النقد، وهي وظيفة تتعارض جوهرياً مع عقلية الحكم التي تفضّل الطاعة على التفكير، والتبرير على المحاسبة. لهذا كان المثقف، في أغلب المراحل، إما مُهمَّشاً أو مُلاحقاً أو مُستأنساً داخل مؤسسات رسمية تُفرغ دوره من مضمونه.
في العراق، تتجلى هذه الخصومة بوضوح عبر شواهد لا يمكن إنكارها. من التضييق على حرية التعبير في حقب سابقة، إلى عسكرة الثقافة وتسخيرها للدعاية السياسية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2003 حيث كان يُفترض أن يستعيد المثقف مكانته الطبيعية في الفضاء العام. غير أن الواقع كشف عن استمرار النظرة ذاتها ولكن بأدوات مختلفة: إهمال، تسويف، ووعود لا تتحقق. ومنحة المثقف مثال صارخ على ذلك؛ فهي تُطرح إعلامياً بوصفها دعماً للثقافة، لكنها عملياً تُدار بعقلية بيروقراطية تُهين القيمة المعنوية للمثقف قبل أن تمسّ وضعه المعيشي.
اللافت أن هذا التجاهل يحدث في بلد يعاني أزمات مركبة: سياسية، اجتماعية، واقتصادية. وفي مثل هذه الظروف، تكون الحاجة إلى المثقف أشد من أي وقت مضى، لا بوصفه كاتباً أو شاعراً او صحفيا او فنانا فحسب، بل كفاعل نقدي قادر على تشخيص الخلل، وطرح الأسئلة المؤلمة، والمساهمة في إنتاج وعي جمعي يحصّن المجتمع من الانهيار. لكن السلطة، بدلاً من استثمار هذا الدور، تتعامل معه كعبء أو ترف يمكن الاستغناء عنه.
الشاهد الآخر على عمق هذه الخصومة يتمثل في غياب السياسات الثقافية الواضحة. فلا توجد استراتيجية حقيقية لدمج المثقف في عملية صنع القرار، ولا مؤسسات مستقلة تحميه من التسييس والاحتواء. وحتى الاتحادات والنقابات الثقافية غالباً ما تُترك بلا دعم فعلي، أو تُستعمل واجهات شكلية لا تمتلك تأثيراً حقيقياً. هذا الفراغ لا يعكس ضعفاً إدارياً فحسب، بل يكشف عن خوف مزمن من العقل النقدي.
إن تجاهل منحة المثقف ليس قضية مالية بقدر ما هو مؤشر رمزي على موقع الثقافة في سلّم أولويات الدولة. فالسلطة التي تحترم المثقف لا تساوم على حقوقه، ولا تجعله ينتظر طويلاً ليُثبت استحقاقاً بديهياً. والسلطة التي تؤمن بدور الثقافة لا تتعامل معها كملف هامشي يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند أول أزمة.
في المحصلة، يمكن القول إن خصومة الحكومة مع المثقف ليست حدثاً طارئاً، بل انعكاس لبنية سياسية لم تتصالح بعد مع النقد والمعرفة. وطالما بقي المثقف خارج معادلة الفعل الحقيقي، ستظل الثقافة مُعلّقة بين الخطاب الرسمي والواقع المهمل. أما استعادة الثقة، فلا تبدأ بمنحة مؤجلة، بل بإرادة سياسية تعترف بأن المثقف ليس خصماً للسلطة، بل ضمير المجتمع الذي لا غنى عنه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حماس تدين قرارات الكابينت الإسرائيلي والرئاسة الفلسطينية تقو


.. صحيفة معاريف عن مصدر عسكري إسرائيلي: إسرائيل قد تشن هجوما من




.. استوديوهات جديدة وتقنيات مبهرة تفوق عصرها.. قناة العربية تنط


.. بعد حرب مدمرة.. سيناروهات المستقبل في غزة




.. أوروبا تبحث عن -الضربة الأخيرة- بعد مفاجآت بوتين السابقة