الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
اقتصاد يعاقب الفقراء
عماد الطيب
كاتب
2026 / 1 / 6
الادارة و الاقتصاد
في كل مرة تُطرح فيها مسألة فرض الضرائب أو توسيع قاعدتها في العراق، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: على أي أساس تُجبى الضرائب، ومن يتحمّل عبئها الحقيقي؟ غير أنّ الخطورة تبلغ ذروتها عندما يتجه التفكير الرسمي نحو الغذاء والعلاج، وهما الركيزتان الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للمواطن، والأشد حساسية في بلد يعاني اختلالاً بنيوياً في العدالة الاجتماعية ومستويات الدخل.
إنّ دعوة العراقيين إلى اعتبار الغذاء والدواء خطاً أحمر ليست خطاباً عاطفياً أو مطلباً شعبوياً، بل هي موقف عقلاني يستند إلى معطيات اقتصادية واجتماعية واضحة. فوفق البيانات الرسمية وتقارير المنظمات الدولية، يعيش ما يقارب ثلث السكان تحت خط الفقر، فيما تعتمد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى على دخل هشّ لا يحتمل أي أعباء إضافية. في هذا السياق، تصبح أي ضريبة تُفرض على السلع الأساسية بمثابة اقتطاع مباشر من حق الحياة، لا إجراءً مالياً عادياً.
تقوم الفلسفة الضريبية في الدول المستقرة على مبدأ القدرة على الدفع، أي أن يتحمل العبء من يملك فائضاً مالياً حقيقياً، لا من ينفق معظم دخله على الغذاء والعلاج والسكن. لكنّ التجربة العراقية، للأسف، غالباً ما تنقلب على هذا المبدأ، إذ تُستسهل الضرائب غير المباشرة التي تصيب الجميع بالقدر نفسه، بغضّ النظر عن تفاوت الدخول. والنتيجة أن الفقير يدفع النسبة ذاتها التي يدفعها الميسور، رغم أن أثرها عليه مضاعف ومُنهك.
وتكشف الشواهد الميدانية أن ارتفاع أسعار الغذاء والدواء لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية، بل يُنتج سلسلة أزمات اجتماعية وصحية. فالعائلات الفقيرة، عند تضييق الخناق المالي، تبدأ بتقليص نوعية الغذاء وكميته، أو تؤجل العلاج، أو تلجأ إلى أدوية بديلة أقل جودة. هذه الخيارات القسرية لا تُقاس فوراً بالأرقام، لكنها تظهر لاحقاً في ارتفاع معدلات سوء التغذية، وتفاقم الأمراض المزمنة، وزيادة الضغط على المستشفيات الحكومية التي تعاني أصلاً من ضعف التمويل.
أما الحجة القائلة إن الدولة بحاجة إلى موارد مالية إضافية، فهي حجة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها خاطئة في الاتجاه. فالعراق ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل فقير في إدارة موارده. الهدر المالي، والفساد الإداري، والتهرب الضريبي في القطاعات الكبرى، كلها تشكّل نزيفاً مستمراً يفوق بكثير ما يمكن أن تحققه ضرائب تُفرض على غذاء الفقراء ودوائهم. وتشير تقارير الرقابة المالية إلى أن مليارات الدنانير تضيع سنوياً بسبب سوء الإدارة والعقود الوهمية وضعف الجباية من الأنشطة الاقتصادية الكبيرة.
إنّ المقارنة مع تجارب دول أخرى تُظهر بوضوح أن حماية السلع الأساسية من الضرائب ليست ترفاً، بل سياسة اجتماعية واعية. ففي أغلب الدول التي تسعى إلى الاستقرار، تُعفى المواد الغذائية الأساسية والأدوية من الضرائب، أو تُفرض عليها نسب رمزية، مقابل تشديد الجباية على الكماليات، والأرباح العالية، والأنشطة الريعية غير المنتجة. هذا التوازن هو ما يحفظ السلم الاجتماعي ويمنع انتقال الأزمات المالية إلى الشارع.
من هنا، فإن أي توجه لفرض ضرائب على الغذاء والعلاج في العراق لا يمكن قراءته إلا بوصفه إخفاقاً في تشخيص المشكلة. فالأزمة ليست في قلة الموارد، بل في غياب العدالة الضريبية والرؤية الاقتصادية الشاملة. وإذا كانت الحكومة جادة في الإصلاح، فإن الطريق يبدأ من استعادة الأموال المنهوبة، وتفعيل الضرائب التصاعدية على الدخل والأرباح الكبرى، وضبط المنافذ الحدودية، لا من تحميل الفئات الأضعف ثمناً لم تُسهم في صناعته.
إنّ حماية غذاء العراقيين وعلاجهم ليست مطلباً فئوياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع متماسكاً. وأي مساس بهذا الخط الأحمر لن يكون مجرد إجراء مالي، بل قراراً ذا كلفة اجتماعية وسياسية عالية، قد لا تُحتمل نتائجها في بلد أثقلته الأزمات وأرهقته سنوات طويلة من سوء الإدارة والخيارات الاقتصادية الخاطئة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تقرير يرصد تأثير الهجمات الأوكرانية على الاقتصاد والطاقة في
.. البرتغال: منافسة غير مسبوقة بين اشتراكي ويميني متطرف في الجو
.. منافسة غير مسبوقة في الرئاسيات البرتغالية بين اشتراكي ويميني
.. كيف أعادت العقوبات تشكيل خريطة صادرات الطاقة الروسية؟
.. تعمير-المحامي هيثم السايس يوضح كيفية ضمان حقوق العملاء في عق