الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النخالة
خالد خالص
2026 / 1 / 6مواضيع وابحاث سياسية
وجاءت كأس أمم إفريقيا لتقام على أرض المغرب، فكانت لحظة تاريخية برهن فيها المغرب أنه بلد يشتغل في صمت، ويراكم الإنجازات بعيدا عن الضجيج، معلنا للعالم أنه بلد التحديات الكبرى والنجاحات الملموسة. تنظيم محكم شمل مختلف المدن التي احتضنت المباريات: الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش، وأكادير.
وبنية تحتية تثير الإعجاب وتعكس رؤية تنموية متكاملة: ملاعب بمواصفات عالمية، مطارات دولية حديثة، موانئ استراتيجية، ومحطات قطار مذهلة يتقدمها قطار البراق، إلى جانب شبكات نقل طرقي متطورة، وطرق سيارة عصرية، وفنادق راقية، ومتنزهات ومطاعم وأسواق تنبض بالحياة.
أما داخل المدن، فقد تميزت وسائل النقل بيسرها وفعاليتها، من الترامواي إلى الحافلات وسيارات الأجرة، بما وفر تجربة تنقل سلسة للجماهير والوفود، وعزز صورة المغرب كوجهة قادرة على إنجاح أكبر التظاهرات القارية باقتدار وتميز.
أجواء استثنائية تملأ الشوارع، وتنعكس في الفنادق، وتبلغ ذروتها داخل الملاعب. حماس جماهيري لافت، ابتسامات في كل مكان، ألوان وأناشيد تحول المدن إلى فضاءات احتفالية نابضة بالحياة. جماهير إفريقية جاءت من مختلف الأقطار، تلتقي بالجماهير المغربية في مشهد أخوي يعكس روح الرياضة وقيم التعايش والاحترام.
المغرب يعيش اليوم على إيقاع كأس أمم إفريقيا، ليس فقط كحدث كروي، بل كعرس قاري يبرز كرم الضيافة المغربية، وحسن التنظيم، والشغف الكبير بكرة القدم.
غير أن هذا العرس لم يخل من نقطة سوداء واحدة، جاءت للأسف من الجهة الشرقية، من بلد جار يجمعنا به الدين واللغة والدم والتاريخ المشترك.
صحيح أن فئة طيبة حضرت للاستمتاع بالمباريات وبجمال وكرم البلد المنظم، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي كشفت مشاهد مؤسفة كان يمكن الاستغناء عنها، بل كان الأجدر تجنبها تماما. مشاهد لأشخاص اختاروا ممارسة رياضة غريبة: التجاهل المعكوس؛ تجاهل حسن الضيافة، وتجاهل الجميل، وتضخيم التافه، والتنقيب في القمامة بحثا عن "لقطة".
وفد يستقبل بالتمر والحليب عند مدخل الفندق، لا كواجب بروتوكولي فحسب، بل كرمز ثقافي ضارب في عمق العادات… فيمرون وكأن التمر شوك، والحليب عبء.
صحفي يبحث عن كيس قمامة، يخرج منه بعض الأكياس، يبعثرها على الأرض، يقف بجانبها، يصور نفسه، ثم يحدثك عن "الواقع"؛
وآخر يذهب ليلا إلى جانب البحر، حيث الظلام سنة كونية، ليقنع المشاهد بأن الكهرباء مقطوعة.
وثالث يدخل فندقا من فئة خمس نجوم، لا ليقيم فيه، بل ليقنعك أنه لا يساوي نجمتين.
وفد لا يصلي الجمعة في المساجد، فيستدعى لهم فقيه إلى الفندق، وكأن بيوت الله لا تليق، أو كأن الصلاة لا تقبل مع أبناء البلد المضيف.
لا يأكلون من طعام الفندق، لا زهدا ولا احتياطا، بل لأن الذم صار مهنة، والتقليل والشك صارا خطابا.
ثم مشهد أكثر بؤسا:
مشجعون قدموا بلا تذاكر وبلا امكانيات، عبر تونس أو عبر أوروبا، فانتهى بهم الحال يتسولون التذاكر من لاعبي منتخبهم ومن رئيس الجامعة المغربية. بعضهم بات على كراسي المقاهي، بعضهم امتهن بيع الأعلام، وبعضهم مارس "الفراشة" الموسمية باسم الوطنية، وأحدهم يصرح أمام وسائل الإعلام، مقابل كرم الضيافة، بأنه سيبقى في المغرب، ويكفي أن "تدخل على المغاربة غير بخاوا خاوا… ها أنت مريح على حسابهم"..
مسيرة فوضوية من باب الفندق إلى الملعب، ثم شغب، ثم محاولة إدخال مواد حارقة ممنوعة، وإحداث ثقب في عشبه، ثم تكسير للكراسي، وكأن المدرجات خلقت للغضب لا للفرجة، وللهدم لا للاحتفال.
رئيس وفدهم ضبط وقد اختلس كرتين، في واقعة تذكر بمحاولات سرقة الزليج، والقفطان، والطاجين… وهنا أتذكر صحافية قالت مؤخرا إن "الجزائر تقدمت بملف إلى اليونسكو تطالب فيه باعتبار السرقة تراثا جزائريا خالصا". (وآخر الأخبار: منع استيراد القفطان من المغرب إلى الجزائر بعد تسجيله رسميا باسم المغرب).
توقيف جزائري وبحوزته مواد خطيرة بمطار محمد الخامس،
تظاهر مجموعة من الجزائريين ضد "المخزن" وسط العاصمة…
واحد منهم أسقط عمدا العلم الجزائري في أحد المدارات
مشاهد لا تسيء إلى البلد المضيف بقدر ما تسيء إلى أصحابها، وتطرح سؤالا مؤلما: هل جئنا لمشاهدة كرة القدم، أم لافتعال الخصومة حيث لا داعي لها، ولممارسة السرقة؟
هل نحن أمام من قالوا إن وفودهم "سيهزون اقتصاد المغرب"؟
أما إعلامهم الرسمي وغير الرسمي فحدث ولا حرج: "ممنوع الإشادة بالمغرب" لأن في ذلك "مسا بكرامة الجزائر"، ممنوع ذكر اسم المغرب، ولا أسماء الملاعب، ولا إظهار علم البلد المضيف… إلى درجة تهكم المغاربة بالقول إن صلاة المغرب استبدلت في الجزائر بصلاة "ما بين العصر والعشاء". وحين يتحدثون عنا صباح مساء فبعبارة "المروك… المروك.. المروك"
إعلام لا يكف عن الاتهام وإصدار الأحكام القيمية، إلى درجة مساندة "والو" ضد المغرب، ... وما شابه ذلك.
ولن أقف عند ما قاله رئيس دولتهم بالأمس عن تخرج وزير خارجية المغرب ورئيس حكومته من الجزائر، وأنهم "دارو فينا خير"، لأن الكذب أصبح ملة، وهذا يحتاج إلى اختصاصيين في علم النفس خصوصا وأن الحضور يصفق لعمي تبون أي يصفقون للكذب وللتفاهة وللاستفزاز المجاني.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد على أن التعميم ظلم لا يخدم الحقيقة. فما صدر عن بعض الأفراد أو المنابر لا يمكن ولا يجب أن يحمل لشعب كامل. فقد حضر جزائريون كثر بروح رياضية صادقة، واحترام واضح، واستمتعوا بالمباريات وبكرم الضيافة المغربية، وعادوا بانطباعات إيجابية. هؤلاء لا علاقة لهم بمشاهد الإساءة ولا بخطاب التشويه، وهم دليل على أن الشعوب أوسع وأوعى من أن تختزل في تصرفات من يتحركون وفق تعليمات أو أصوات نشاز.
وأمام المشاهد المقززة التي كان أبطالها من السفهاء فإنني أستحضر هنا ما قاله لي أحد الأقارب منذ عقود: إنه كلما هم بالدخول إلى غرفة نومه أدخل معه كيس نخالة.
تسألون: وما دخل النخالة بغرفة النوم؟
النخالة، أو "النخال" عند المغاربة، تعني التجاهل؛ كان يدخل مسلحا به أمام سيل العتاب والهيات والنكير: لا يسمع، لا يرى، ولا يعقب وعلى ربي يسلك.
كبرت، وكبرت معي هذه الحكاية، حتى وجدتها اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فليس كل ما يقال يرد عليه، وليس كل استفزاز يستحق نقاشا، وليس كل كاميرا تبحث عن وسخ يجب أن نمد لها المكنسة.
التجاهل أحيانا أرقى أشكال الرد.
ألا نشارك، ألا نعلق، وألا نمنح “الترند” لمن يقتات على التشويه.
أن نتركهم يتحدثون إلى فراغهم، ويصورون قمامتهم، ويقنعون أنفسهم قبل غيرهم، وهم يكررون الأكاذيب حتى يصدقوها وهذا هو الموقف الرسمي للدولة المغربية.
ستنتهي كأس أمم إفريقيا، ستصمت الهتافات، ستطوى اللافتات، وسيذهب كل إلى حال سبيله، لتبقى الذكريات، ويطرح السؤال الجوهري: من الذي خرج بصورة مشرفة؟ ومن الذي خرج بصورة مذلة، ولو حقق انتصارات داخل المستطيل الأخضر؟
فلنتسلح بالكثير من النخالة، في انتظار كأس العالم 2030، ولنواصل العمل وتحقيق الإنجازات؛ فذلك هو الرد الأبلغ، وقمة الحكمة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن والصفقات النفطية ع
.. مقتل شاب كولومبي برصاص شرطة الهجرة الأمريكية يثير موجة غضب ف
.. ألسنة اللهب تحاصر فونتينبلو قرب باريس والتحقيقات تتجه نحو شب
.. الحصار البحري يعود إلى الواجهة.. وإيران في الاختبار الأصعب |
.. قراءة عسكرية | جبل الفأس في دائرة التهديدات الأمريكية وسط ال