الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2026 / 1 / 7
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
حين نسمع عن مشجّع يُسخَر منه لأنه اختار أن يتقمّص دور باتريس لومومبا، فإن أول رد فعل قد يكون ضحكة عابرة أو استهجان سريع، لكن الحقيقة أعمق بكثير. ما حدث في أرض الملعب ليس مجرد مزحة، ولا لحظة طيش، بل لحظة اختبار للذاكرة، للوعي، وللاحترام الرمزي لتاريخ أعاد نفسه على جماهير القارة. إنها سخرية من الجرح، من رجل دفع حياته لأنه قال «لا» في زمن كانت فيه «نعم» هي الضريبة الوحيدة للبقاء.
ذلك المشجّع الذي ظلّ واقفًا طوال المباراة، بثباتٍ لافت وهدوءٍ جبّار، لم يكن يبحث عن استفزاز أو لقطة عابرة. كان جسدًا حياً لتاريخ ثقيل، صورة صامتة لصمود إنساني لا يُقارن بلحظة ملعبية عابرة. باتريس لومومبا لم يكن مجرد زعيم سياسي للكونغو بعد الاستقلال، بل كان رمزًا إفريقيًا يمتد حضوره عبر القارة، رجل واجه الاستعمار البلجيكي بشجاعة، ودفع حياته ثمنًا لجرأته على مواجهة القوى التي لم تعرف الرحمة.
المؤلم أن السخرية صدرت عن لاعب إفريقي، من نفس الفضاء الذي ما يزال يعيش آثار الاستعمار، وإن بأقنعة جديدة. هذا ليس مجرد تصرّف شخصي أو طيش لحظي، بل هو انعكاس لقصور معرفي وجهل عميق بتاريخ قادة المقاومة والتحرر. هؤلاء لم يكونوا شخصيات فولكلورية أو أقنعة للفرجة، بل رجال دفعوا حياتهم ثمن مواقفهم. لومومبا نفسه كان من أبرز الداعمين للثورة الجزائرية، وكان يرى في الجزائر نموذجًا للكفاح والصمود، حتى وإن كان الانتماء الجغرافي مختلفًا. هذا التاريخ لم يكن مجرد سردية، بل درس حيّ في التضحية والالتزام بالمبادئ، درس لم تُفهَم قيمته بعد.
لومومبا لم يكن مادة للتندر، ولا صورة للاستهزاء، ولا شخصية لتقليد مشوّه. كان صرخة مكلفة انتهت بجسد أُذيب عمدًا وذاكرة حاول البعض محوها. وعندما يُستخدم اسمه للضحك، فإن هذا لا يسيء إليه بقدر ما يفضح فراغًا ثقافيًا وانفصالًا عن التاريخ، عن وعيٍ كان من المفترض أن يكون راسخًا. المباراة انتهت، النتيجة نُسيت، لكن بقيت لقطة رجل واقف، صامت، يذكّرنا بما نحاول أحيانًا نسيانه، بما يجب أن نبقى واعين له.
الاستعمار لا يحتاج دائمًا إلى جيوش، أحيانًا يكفي أن يُنتج جهلًا ويترك أبناء القارة يسخرون من رموزها. وهذا الجهل ليس شرًا مطلقًا، بل فقدان للذاكرة، ضعف في التعلم، غياب للتثقيف التاريخي. ربما لهذا السبب احتفظت الجزائر باسم لومومبا في شوارعها وذاكرتها، وذهبت أبعد من ذلك حين اعتقلت مويس تشومبي، المسؤول عن اعتقاله وتصفيته، سنة 1967، ورفضت الخضوع للضغوط الخارجية لإطلاق سراحه. موقف يعكس معنى الوفاء للتاريخ، قيمة الاعتراف بالضحايا، واحترام رموز الكفاح.
أكثر ما كان سيؤلم لومومبا لو شاهد هذا المشهد ليس السخرية نفسها، بل أنها صدرت من شخص لم يدرك يومًا لماذا كان خطرًا، ولماذا يُقتل أمثاله دائمًا، ولماذا يُعاد اغتيالهم لاحقًا بالضحك بعد أن فشل الرصاص في إسكاتهم. السخرية هنا ليست ترفًا، بل استعادة لفشلنا الجماعي في احترام التاريخ وتعليم أجيالنا ما يجب أن تعرفه عن أولئك الذين ناضلوا من أجل الحرية.
ما قام به هذا اللاعب ليس مجرد مزحة، بل فعل يُسيء لتاريخ وذاكرة جماهيرية بأسرها، ويستدعي تدخل الجهات المسؤولة، بما في ذلك الكاف، لمعاقبته. مثل هذه الأفعال لا تؤذي فقط شخصًا أو رمزًا ميتًا، بل تضعف احترام الجماهير للرموز الكبرى، وتُظهر الحاجة الملحة لتثقيف أفضل حول تاريخ القارة واحترام من أعطوا حياتهم في سبيل مبادئ أكبر منا جميعًا. إن كرة القدم قد تنتهي، والمباريات تُنسى، لكن التاريخ، ورموزه، لا يجب أن يُهانوا في الملعب أو خارجه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما الذي يخفيه البنتاغون عن المقاتلة الأخطر في العالم؟ | #ستو
.. التلفزيون الإيراني يعلن استهداف جسرين في مدينة بندر خمير بمح
.. مليار شيكل إسرائيلي لدعم الاستيطان وطفرة توسع تلتهم جغرافيا
.. خارج الصندوق | هل تنقسم إيران من الداخل؟.. والعراق بعد لقاء
.. العالم الليلة | إمبراطورية فساد تنهار في العراق.. وأسرار قلع