الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جمال الله

عماد الطيب
كاتب

2026 / 1 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


منذ قرون طويلة، تشكّلت صورة الخالق في الوعي الجمعي عبر خطابٍ دينيٍّ غلب عليه التحذير أكثر من التبشير، والعقاب أكثر من الرجاء. لم يكن هذا الخطاب معنيًّا بإبراز جمال الفكرة الإلهية بقدر ما كان مشغولًا بتكريس الخوف بوصفه أداة للضبط والطاعة. هكذا، تراكمت في الذاكرة العامة مفردات العذاب: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، وعذاب الآخرة، حتى بدا أن العلاقة مع الله قائمة على الرهبة وحدها، لا على المحبة ولا على الطمأنينة.
لكن السؤال الجوهري يظل مفتوحًا: أين جمال الله ( سبحانه وتعالى ) في هذا السرد؟ أين صورة الخالق المبدع الذي صاغ الكون بإتقان، ونفخ في الحياة معنى، وفتح في الوجود مساحات للدهشة والرحمة؟ أين الكريم الذي يعطي بلا حساب، والرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، والرؤوف الذي لا يكسر قلبًا منكسرًا؟ إن اختزال الإله في صورة القاضي الصارم يُفقد الفكرة الإلهية توازنها، ويشوّه جوهرها الذي قام أصلًا على العدل والرحمة معًا.
اللافت أن النصوص المؤسسة نفسها، في عمقها، لا تعاني هذا الاختلال. فهي تزخر بصور الجمال الإلهي: في الخلق، وفي التسامح، وفي فتح أبواب التوبة، وفي الوعد بالجنة بوصفها اكتمالًا للعدل لا نقيضًا للرحمة. غير أن الخطاب الوعظي، عبر الزمن، انتقى من هذه النصوص ما يخدم ثقافة التخويف، وأهمل ما يؤسس لعلاقة إنسانية راقية مع الله ( سبحانه وتعالى ) ، علاقة تقوم على الثقة لا على الفزع، وعلى الحب لا على الذعر.
إن ترسيخ صورة العذاب في الوجدان الجمعي لم يكن بريئًا دائمًا؛ فقد خدم سلطاتٍ دينية واجتماعية وجدت في الخوف وسيلة ناجعة للسيطرة. فالمؤمن الخائف أقل سؤالًا، وأكثر امتثالًا، وأضعف ميلًا للاعتراض. أما المؤمن الذي يرى الله جميلًا، رحيمًا، منفتحًا على الضعف الإنساني، فهو مؤمن يفكر، ويسائل، ويبحث عن المعنى، لا عن النجاة الفردية فقط.
صورة الله ( سبحانه وتعالى ) التي نحتاجها اليوم ليست صورة مخدِّرة ولا صورة مروِّعة، بل صورة متوازنة تعيد الاعتبار للبعد الجمالي في الإيمان. الله بوصفه خالق السموات والأرض ليس فكرة مرعبة، بل فكرة مدهشة. والإيمان به ليس هروبًا من الجحيم فقط، بل شوقًا إلى المعنى، وإلى العدالة، وإلى الجنة بوصفها وعدًا أخلاقيًا قبل أن تكون مكافأة أخروية.
لعل إعادة طرح هذا السؤال—أين جمال الله في خطابنا؟—هي خطوة أولى نحو تصحيح علاقة شُوّهت طويلًا. فالإيمان الذي لا يترك في النفس أثر الطمأنينة، ولا يفتح أفق الرجاء، يتحول إلى عبء ثقيل، لا إلى قوة أخلاقية. والله، في جوهر الفكرة، أسمى من أن يُختزل في الخوف وحده، وأجمل من أن يُقدَّم بوصفه غضبًا دائمًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقابلة خاصة لسكاي نيوز عربية مع المتحدث باسم الخارجية الفرنس


.. مظاهرة داعمة لفلسطين في فرنسا والدنمارك




.. خلافات في الكونغرس الأمريكي تتسبب بوقف تمويل وزارة الأمن الد


.. عاصفة ترابية تضرب القطاع وسط توقعات بهبوب رياح قوية مثيرة لل




.. البعد الآخر | مواجهة ماكرون وروبيو.. أوروبا ترفض الانتقادات