الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شهادة في ديوان يوميات حائط للشاعر محمد نور الدين بن خديجة

محمد نور الدين بن خديجة

2026 / 1 / 8
الادب والفن


.....عن ديوان يوميات حائط للشاعر محمد نور الدين بن خديجة .....الاستاذ يوسف الطالبي ..

أين الحائط؟ .. زغرودة لديوان "يوميات حائط" للشاعر نورالدين بنخديجة
بقلم يوسف الطالبي
( هذه مساهمة لي كتبتها احتفاء بصدور الديوان الشعري للرفيق نور الدين بن خديجة وقد تفضلت جريدة النهج الديمقراطي بنشرها، يجد القارئ المهتم رفقته صورة المقال على صفحة الجريدة)

تمارس علي نصوص نورالدين بنخديجة جاذبية كبيرة، أستطيع فهم جزء من أسبابها، وهي التي ترجع الى مهاراته في الكتابة وتطويع الكلام والتفنن في القول، ليبوح ربما بما يختلج في صدورنا ويعذبنا دون أن نجد طريقة لقوله، ما نعجز نحن عن تبليغه لذواتنا ولباقي أفراد الجماعة التي نحن جزء منها، إلا أن لنصوصه جاذبية من خامة مختلفة لا أستطيع تبين مباعثها. إنها حالة وجدانية وروحية تتلبسني وأنا أقرؤه. المتذوقون كالراقصين، منهم من يرقص على الموسيقى والإيقاعات طربا وإظهارا لمهارات التحكم في تحريك أجزاء الجسد واطرافه، لكن منهم من يدخل حالة جذبة تمتد عميقا الى شروط الوجود والجينات ومنعرجات الحياة والقلب، هذا ما عرَّفه الناس ب(الحال ما يشاور), وهذا ما تفعله نصوص نورالدين بنخديجة بجوارحي، أصير كأولئك الذين يدوسون اشواك الصبار او الجمر الملتهب أو قطع الزجاج بأقدام حافية دون ان يشعروا بالألم. كأني بشعره يتسرب من مسام الجلد كالقر و الحر.
لعل ما يقوي هذا النوع من الارسال و التلقي بيني وبين الشاعر، هو التشابه على عدة مستويات، رغم أننا لم نترجم هذا التشابه في علاقة صداقة واقعية، إذ ظلت الرفاقية والالتزام السياسي والايديولوجي اليساري هو الرابط بيننا لما يناهز الأربعين سنة، لقد جمعنا حلم الحرية والكرامة لكل الناس اينما وجدوا، واكثر من ذلك الانخراط في جهود جماعية لتحقيق ذلك الحلم منذ عنفوان الشباب حتى خريف العمر، جمعنا الاصطفاف التنظيمي وجمعنا الرهان على الثقافة والفن كرافعتين للتغيير، فكنت راقصا وكان هو قارع دف ومنشدا، تقلب ذلك بين الأمل واليأس، بين الحماس و التقوقع. بين لحظات أنشدنا فيها ملء حناجرنا أناشيد الثورة، وأوقات استسلمنا فيها للسائد والموروث. أثر نصوص بنخديجة في الروح، لا يشبهه ممن هم قريبون منا، إلا ٱثار صوفية لوحات الكاليغراف الحسن الفرساوي او جنوح نصوص السارد عبد الرحيم الرزقي ونتفه الشاردة.
بموازاة عوامل الجاذبية هاته، مارس علي عنوان الديوان الأخير (يوميات حائط) لبنخديجة استفزازا إضافيا كما تثير أزهار الخردل البري عقربا مختبئا في ثقب بالأرض. توقعت أن أجد معان وصور شعرية واستعارات ومجازات، تٰنطق الجدران، تجعلها شاهدة على حيواتنا، شاهدة على ما فينا من خير وشر، من صدق ونفاق، من رقي وانحطاط، من طهر ووساخة.
كان العنوان طعما يخفي صنارة لذيذة مشتهاة، تخترق الحنك ونتمنى أن لا تزول. توقعت أن يشي الحائط بطريقة شعرية بعلاقة غرامية سرية حدثت خلفه، وكبث انكشف في شكل عبارات ورسوم خطت عليه، بإعلان عن عرض للبيع او نهي عن تلبية نداءات الطبيعة أسفله أورمي الازبال، عن تراشق وتشهير بين مراهقات ومراهقين. أو عن عبارات سياسية ضد الاستبداد والقمع لم تجد لها في بيئة بوليسية فضاء طبيعيا لتكتب فيه فتسللت الى الحائط تحت جنح الظلام. بمرمى رسمه اطفال مولعون بكرة القدم أو تشيع لناد رياضي تفنن في رسمه عاطلون عن العمل، بملصقات انتخابات مزورة علقت عليه، بقائد هدمه تاركا المحتمين به تحت رحمة تقلبات السماء، أو أسوار شاهدة على مد وجزر التاريخ.
عكس كل التوقعات، لم يكن الحائط إلا الشاعر نفسه و من شاطره شروط الحياة والوجود، كأنما قدر له أن يفرغ عليه الجميع أحلامه وٱماله وتطلعاته وهواياته، لكن كذلك مكبوثاته وأسراره، وهو ثابت يقاوم الزمن. يتمنى كم فعل الشاعر الجاهلي تميم بن مقبل " ما أطيب العيش لو ان الفتى حجر *** تنبو الحوادث عنه وهو ملموم"، لكنه
"كان وحيدا
كحائط خرب
كقط مسلول
ككلب أجرب ..."
يراقب الناس يتأفف منهم ويلعنهم حينا ويعطف عليهم حينا، يتمنى لو يحقق لهم ما تصبو اليه أنفسهم
"انفض عليك كفن التوبة
غامر
لا تنضبط
فكيف منضبط
ماء سراب
لا ينال!!؟ "
. لكن ثباته هذا لا يقيه تقلبات الزمن، يتٱكل حتى يكاد يقع أنقاضا، تماما كحائط يتبول عليه المارة، ثم يلجؤون اليه لاتقاء شمس حارقة أو ريح هوجاء، يتسترون خلفه لقطف متعة عاجلة، او ليرسموا عليه أحلامهم.
ليس حائط بنخديجة كأي حائط، وليس الشاعر بنخديجة كأي شاعر، كما تمة في القصور حيطان مكسوة بالزليج والمرمر والقرميد تشارك ساكنيها حياتهم المخملية، للكاريانات وأحياء الفقراء ومقرات الاختطاف والتعذيب كذلك حيطانها التي تشهد على فقر وكدح وجهل وتضحيات ودماء من مروا منها.
للحيطان الأولى شعراؤها الذين انتفخت بطونهم من إغداق أصحابها عليهم حتى صاروا لا يستطيعون المشي إلا مائلين جهتها، وللحيطان البائسة بنخديجة وأمثاله انصهرت هويته بهويتهم، حلوا به وحل بهم، حتى إذا " رأيته رأيتهم، وإذا رأيتهم رأيته". فهو المناضل المنخرط سياسيا في المعركة من أجل الحرية، وهو الملتزم ايديولوجيا بهدم الأضاليل وتنوير العقول.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات