الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2026 / 1 / 8
التربية والتعليم والبحث العلمي


لنفكر معًا في تلك المؤسسة التي تملك مفتاح المستقبل، لكنها ما زالت أسيرة الماضي: التعليم المدرسي، وما أدراك ما التعليم المدرسي. منظومة كاملة تشكل وعي الإنسان منذ طفولته، ومع ذلك فإنها تكاد تكون واحدة من أكثر المنظومات جمودًا في التاريخ الحديث. فمنذ أكثر من ثلاثمئة عام، لم يطرأ تغيير جوهري على النموذج التعليمي السائد في معظم دول العالم. الصف هو الصف، والمعلم هو المصدر، والطالب هو المتلقي، والزمن موزع على حصص، والمعرفة تقاس بالامتحان.
ثلاثون أو أربعون طالبًا وطالبة يجتمعون في غرفة واحدة. يدخل المعلم، يقضي ما بين أربعين وخمسٍ وأربعين دقيقة، يشرح مادة، يغادر، فيدخل آخر. الدرس يتبدل، والطريقة تبقى ذاتها. ست حصص يوميًا، لستة أيام أسبوعيًا، تمتد لسنوات طويلة تنتهي بامتحانات تخرج، مثل "البجروت"، تعتبر بوابة المستقبل.
هذا النموذج، في جوهره، هو نفسه الذي وضع في القرن الثامن عشر، أي في أعقاب الثورة الصناعية، حين كان المطلوب إعداد أيدٍ عاملة منضبطة، متشابهة، قادرة على العمل ضمن إيقاع المصنع لا أكثر.
داخل هذا الصف الواحد، تتكرس مفارقة قاسية. هناك دائمًا مظلومون. طلاب ذوو قدرات عالية مرغمون على التباطؤ كي لا يخرجوا عن الإيقاع العام، فيفقدون الحافز والشغف. وفي الجهة المقابلة، طلاب أضعف يلهثون خلف المادة دون أن يفلحوا في اللحاق، فيتراكم لديهم الإحباط والشعور بالفشل. العدالة التعليمية، بهذا المعنى، غائبة عن الطرفين حتى وأن تم تجميع الطلاب أحيانا في مجموعات وتتناسب وقدراتهم، فالنفور من المدرسة يصبح قاسمًا مشتركًا بين المتفوق والمتعثر على حد سواء.
أما المعلم، الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في هذه العملية، فهو بدوره ضحية هذا النظام. كثيرون يدخلون سلك التعليم بدافع الرسالة، لكنهم يصطدمون سريعًا بواقع بيروقراطي خانق، ومناهج جامدة، وصفوف مكتظة، وتوقعات متناقضة.
خلال سنوات قليلة، يفقد المعلم حماسه، فإذا وجد فرصة أفضل خارج التعليم، غادر بلا تردد. وإن لم يجد، بقي في الصف على مضض، يؤدي واجبه الوظيفي لا أكثر. قد يرفض بعض المعلمين هذا التوصيف، وربما عن حق من زاويتهم الشخصية، لكن الواقع العام، كما يبدو في كثير من التجارب، يقول إن الاستنزاف المهني في التعليم بات ظاهرة لا يمكن إنكارها.
كل ذلك يقود إلى خلاصة واحدة: التعليم، بصيغته الحالية، بحاجة إلى تغيير جذري، لا إلى ترقيع. نحن لا نتحدث عن تعديل هنا أو تحديث هناك، بل عن ثورة حقيقية تعيد تعريف معنى المدرسة، ودور المعلم، ومكانة الطالب. ثورة تخرج من القوالب القديمة، وتبني منظومة تعليمية يجد فيها كل طالب نفسه وفق قدراته وميوله، ويجد فيها المعلم معنى حقيقيًا لعمله.
هذه الحاجة تصبح أكثر إلحاحًا في ظل الثورة المعلوماتية الراهنة، التي يتصدرها الذكاء الاصطناعي. فدور المدرسة كمصدر للمعلومة يتآكل بسرعة. لقد أصبح الطالب اليوم قادرا، خلال ثوانٍ، على الوصول إلى كم هائل من المعرفة، مصاغة وفق مستواه، ومشروحة بأساليب متعددة، ومتاحة في أي وقت.
مواقع الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بتقديم المعلومة، بل تشرح، وتبسط، وتعيد الصياغة، وتضرب الأمثلة، وتكيف المحتوى مع احتياجات المتعلم الفردية، وهو ما يعجز عنه المعلم في صف مكتظ، محكوم بزمن ضيق ومنهج إلزامي.
في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: هل ما زال من المنطقي التمسك بنموذج تلقين المعرفة ذاته، الذي تم تصميمه لعصر مختلف تمامًا؟ هل من الحكمة أن نصر على تعليم أبنائنا بالطريقة نفسها التي تعلم بها أجداد أجدادهم، بينما العالم من حولنا يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟ أم أن الوقت قد حان للحاق بمسار التطور المعرفي، وإعادة التفكير في التعليم بوصفه عملية بناء للإنسان، لا مجرد حشو للذاكرة؟
التاريخ لا ينتظر المترددين. ومن لا يواكب تحولاته، يجد نفسه خارج المسار، مهما كانت نواياه حسنة. والتعليم، إن لم يجدد نفسه، سيتحول من نافذة على العالم إلى جدارٍ يحجب الضوء عنه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد لقاء ترامب.. الزيدي يعلن أخطر موعد في العراق! | #الظهيرة


.. شبكات | هل أساء مصطفى كامل لمحافظة الشرقية بمصر؟




.. موازين | صراع السكان والخرائط.. كيف تهدد الأغلبية الفلسطينية


.. شبكات | ترمب لنتنياهو: أخرج قواتك من سوريا ولبنان




.. شبكات | ترمب يحاول إحراج الزيدي في البيت الأبيض.. كيف رد علي