الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء

محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)

2026 / 1 / 9
كتابات ساخرة


رحلة المواطن بين أكاذيب الصباح وتبريرات المساء في دولة تحترف إنتاج الوعي المشوّه

في العراق، لا تحتاج السلطة إلى جهد كبير لصناعة الوعي الشعبي؛ فكل ما عليها فعله هو إطلاق رواية في الصباح، وبحلول المساء يصبح نصف الشعب مؤمناً بها وكأنها اكتشاف علمي، بينما ينقسم النصف الآخر بين من يخاف من تكذيبها، ومن يعتبر أن التكذيب «عمل غير وطني» قد يُسجّل في دفاتر «الخيانة».

الطبقة السياسية ليست مجرد صانعة للوعي، بل مصنع كامل للوعي المشوّه. خطوط إنتاجها تبدأ من الاستوديوهات التلفزيونية وتنتهي بصاحب المولدة، الذي صار ناطقاً غير رسمي باسم الدولة، ويقدّم تحليلات يومية عن “الحصار الخارجي” الذي يمنع وصول الكهرباء إلى بيته.

السياسي العراقي لا يقول: «نريد أن نسيطر على الوعي الشعبي». لا، أبداً. هو يقول: «نريد توجيه المواطن لما فيه مصلحة الوطن»… والترجمة الحقيقية لجملة «مصلحة الوطن» هي: مصلحة الحزب، مصلحة الزعيم، ومصلحة المصالح التي لا تُعلن.

منذ 2003، اُستخدمت السياسة في العراق كما يستخدم الساحر قبعته: يخرج منها أرنباً حين يشاء، وعند اختفاء الكهرباء يخرج «مؤامرة خارجية»، وإذا اختفت مليارات الدولارات يظهر «خطأ إداري»، وإذا سقط جسر يظهر «سمك الكارب الذي تضخم فجأة»، وإذا حدثت كارثة جديدة يظهر «طرف ثالث» لا يُرى إلا في الأخبار الرسمية.

الإعلام لم يسلم من العبث، فصار يشبه محل “بقالة” سياسي: قناة تبيع لك الأمل، قناة تبيع لك الخوف، قناة تبيع لك الطائفية، قناة تبيع لك اليأس بالجملة. والنتيجة واحدة: المواطن مشغول بالقشور، غارق في التفاصيل الثانوية، ويعتقد أن مهمته الوطنية الكبرى هي متابعة «من فاز بمنصب مدير عام»، كأننا في دوري كرة قدم لا في دولة تبحث عن نفسها.

التعليم أيضاً لم يسلم. المطلوب ليس تعليم الطلاب معنى المواطنة أو التفكير النقدي، بل التأكد من أنهم يغادرون المدرسة مقتنعين أن الوطن بخير، وأن كل مشكلاتنا بسبب «الطابور الخامس» الخفي، الذي لا نراه لكنه حاضر في كل شبر من الأخبار الرسمية.

الاقتصاد صار سلاحاً أكثر فتكاً في تشكيل الوعي. المواطن الذي ينتظر تعييناً حكومياً يطوّر حساسية فطرية تجاه أي حديث عن الإصلاح. تمرّر أمامه عبارة «إلغاء المحاصصة» فيتخيل أن راتبه سيُلغى هو الآخر. هكذا نجحت الطبقة السياسية في تحويل الفساد إلى جزء من النظام البيئي، مثل الغبار الذي نستنشق يومياً: موجود، مقبول، ولا يمكن العيش بدونه.

ورغم هذا العبث، جاءت تظاهرات تشرين 2019 لتقول للطبقة السياسية: «شكراً، وعيكم لم يعد يمر علينا». كانت تلك أول مرة يكسر فيها العراقيون دائرة الخوف والسرديات الجاهزة، ويستعيدون من السياسة ما فقدوه: صوتهم.

لكن السلطة لم تعجبها النتيجة، فقررت إعادة الوعي الشعبي إلى «المسار الصحيح»… مسار الصمت. عاد الإعلام يتحدث عن “المندسّين”، وعادت الوجوه نفسها التي أرهقت المجتمع لسنوات تُنظّر حول «المصلحة الوطنية»، كأن شيئاً لم يحدث.

في النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد: كيف تتدخل السياسة في تشكيل الوعي؟ بل أصبح: كم بقي من الوعي أصلاً كي نتحدث عن تشكيله؟ ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً.

الشعب الذي استطاع أن يسخر من السياسي، ويحوّل كل خطأ حكومي إلى نكتة تنتشر أسرع من الكهرباء، قادر على قلب قواعد اللعبة يوماً ما. فالضحك—في بلد مثل العراق—ليس ترفاً، بل أول خطوة لاستعادة الوعي.

» محمد ساجت السليطي ( كاتب وباحث عراقي )








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات