الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريالية
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
2026 / 1 / 9
الادب والفن
السماء كانت شاشة عملاقة تعرض لوناً برائحة الدم المتخثر. في الأسفل، حيث الجاذبية مجرد اقتراح قابل للتفاوض، تجمعت الحيوانات في "كاتدرائية العظم". لم تكن الكاتدرائية مبنية، بل كانت تنمو من الأرض كقفص صدري عملاق لحوت نافق.
المكان:
مسلخ مهجور، حيث الجدران تتقشر كجلد ميت.
الإيقاع:
طَب.. طَب.. طَب.. صوت قطرات ماء تسقط على صفيح صدئ
السرعوف: في وضعية السكون الكاذب
وقف السرعوف على حافة النصل. رفع ساقيه الأماميتين. ضمّهما إلى صدره. ليس خشوعاً. ليس توسلاً. إنه يُحاكي "الامتناع". يُمثل دور الكائن الذي تجاوز الجوع. وقفت أمامه أنثاه. حدقت في عينيه المركبتين بحثاً عن "المعنى" في هذا السكون. ساد صمت ثقيل. صمت من يحاول قمع الطبيعة. فجأة.. تراك! صوت يشبه كسر غصن يابس. لم يتحرك السرعوف شبرًا، لكن رأس الأنثى اختفى. لا توجد مقدمات. يداه لا تزالان مضمومتين في وضعية "السمو المزعوم"، بينما فكاه يطحنان جمجمة شريكته. السكون الذي كان يدعيه لم يكن سوى نابض مضغوط ينتظر الانفلات. السكون خدعة. الحركة هي الحقيقة الوحيدة.
الذئب:
قناع الوداعة المتمزق
جلس وسط الحملان. حاول تقليد جلستهم. ثنى قوائمه الخلفية تحت جسده. أخفى مخالبه في اللحم. أغلق فكيه بقوة حتى نزفت لثته. كان يحاول تطبيق "قانون التعايش". أراد أن يثبت أن "الافتراس" خيار وليس قدراً. نظر إليه حمل صغير، مخدوعاً بهذا الهدوء المصطنع. اقترب الحمل. حاول الذئب أن يبتسم. (خطأ تقني فادح). تشريح وجه الذئب لا يسمح بالابتسام. عندما رفع شفته ليُظهر الود، ظهرت الأنياب غصبًا. سالت العصارة الهضمية على الأرض. حرقت العشب. تشنجت معدة الذئب. التقلصات كانت أقوى من الفكرة. طاخ! انقضاضه واحدة. لم يقرر الذئب الهجوم. جسده هو الذي هجم. عقله كان مجرد راكب مخطوف في مركبة من عضلات وأنياب. الحمل تحول إلى رذاذ أحمر. الوداعة كانت قناعاً من زجاج، والزجاج تكسر.
القردة: (وهم النظام)
جلست القردة في صفوف منتظمة. يحاولون محاكاة "التحضر". يحاولون النظر إلى النجوم بدلاً من النظر إلى الأرض. الهدف: تجاوز مرحلة "الحيوان". جلسوا بلا حراك. يحدقون في الأفق. يدعون التأمل في الفراغ. لكن.. حركة صغيرة في فرو القرد الجالس في الصف الأول. برغوث. سقطت "النجوم" من حساباتهم فوراً. سقط النظام. تحولت الأيدي التي كانت ممدودة للأفق إلى ملاقط تفتش في الشعر المتسخ. نسوا الصفوف. نسوا التحضر. بدأ العراك. صراخ هستيري. عضّ. خدش. لم يكونوا يبحثون عن الحكمة في السماء، كانوا يبحثون عن قملة في القفا. تحول "المجلس الراقي" إلى كتلة من الفراء المتشابك والروائح النتنة.
في ذروة هذه الفوضى، دوى صوت واحد:
صوت معدني جاف. جرس بافلوف:
صوت سكب "الحبوب الجافة" في وعاء من الصفيح. توقف كل شيء. السرعوف ألقى بقايا الرأس. الذئب ترك العظام. القردة تركت القمل. تحركت الرؤوس كلها في اتجاه واحد بحركة روبوتية متطابقة. اختفت الفردية. اختفت الادعاءات. العيون اتسعت. الحدقات توسعت. اللعاب سال. ركضوا جميعاً نحو الصوت. كتلة واحدة من اللحم تهرول نحو العلف. لا يوجد "كائن أسمى". يوجد فقط "جهاز هضمي" يمشي على أقدام.
ضـربـة عـصـا الـطـبـل الأخـيـرة على جـمـجـمـة فـارغـة
الإيقاع يتسارع. الكاميرا تدور ١٨٠ درجة لتصور "الجمهور".
الصوت يعلو. النهاية ليست مشهداً، بل ارتطام.
خلف الكواليس: مجلس الضباع
في الظل، حيث لا يصل ضوء العرض، جلست الضباع. لم يكونوا حيوانات عشوائية. كانوا يرتدون "ياقات" مصنوعة من جلد الضحايا السابقين. إنهم المشرعنون. واضعو "القانون". أمامهم طاولة طويلة من الخشب المتعفن. ينظرون إلى "المشاهد" (أنت/الضحية) ببرود بيروقراطي. لا يضحكون الضحك الهستيري المعتاد. هذا ضحك مبتذل. إنهم يتهامسون بجدية قتلة محترفين...!
الضبع الأول:
يدمغ ورقة بحافر ميت. القرار: "تصريح استهلاك"
الضبع الثاني:
يسن أسنانه بمبرد حديدي. القرار: "قانون نزع ملكية الجسد"
القانون هنا بسيط:
"من يراقب بصمت، يوافق على أن يُؤكل" الضباع لم تكن تنتظر الطعام. كانت تنتظر أن ينضج "الجمهور" على نار اللامبالاة الهادئة.
المُشاهد: الرأس الأجوف
أنت (المُشاهد) جالس على كرسي وثير.. أو هكذا تظن. تراقب الذئب والسرعوف باستمتاع بليد. تمضغ العلكة. عيناك زجاجيتان. تعتقد أنك خارج القفص. تعتقد أن الزجاج يحميك. تظن أن وحشية الغابة "محتوى ترفيهي". لم تلاحظ الحقيقة البسيطة المرعبة:
لا يوجد زجاج. المسافة بينك وبين المسلخ ليست مسافة أمان، بل هي "طابور انتظار". جمجمتك فارغة من الخطر. مليئة بضجيج الترفيه. صدى الأفكار فيها يدوي كالريح في كهف مهجور. أنت لست "ضيف شرف". أنت "العشاء المؤجل""
ضربة العصا
أشار "كبير الضباع". توقفت الحيوانات في الساحة عن الأكل. استداروا جميعاً- نحوك انت...! -. السرعوف، الذئب، القردة، والضباع. آلاف العيون تحدق في "الجمجمة الفارغة" الجالسة في الظلام. سقط الصمت. صمت أثقل من الرصاص. تقدم ضبع واحد يحمل عظم فخذ ضخم وثقيل (عصا الطبل). لم تهرب. لم تصرخ. لأنك لا تزال تعتقد أن هذا "جزء من العرض". اللامبالاة شلّت أطرافك.
رفع الضبع العظم عالياً. الهواء تمزق من سرعة الهبوط. طـــــاخ...؟
ارتطم العظم بالجمجمة. لم يكن صوتاً دموياً. كان صوتاً خشبياً أجوف. طُب...! مثل ضرب طبلة مشدودة على فراغ. تحطمت قشرة الأمان الوهمية. انشقت الجمجمة لتكشف ما بداخلها: لا دماغ، لا أفكار، لا رد فعل. فقط نشارة خشب وعقود إذعان موقعة سلفاً.
الجمهور هو الطبلة. والقانون هو العصا. والآن.. بدأ العزف الحقيقي. انقضت (الضباع) لتقاسم الغنيمة التي لم تقاوم. الضحية ماتت وهي تظن أنها تتفرج
(شاشة سوداء. صوت مضغ بطيء وعظام تتكسر)
ملحق إداري:
تقرير "جرد الجيفة".
المُعد: صرصار الطب الشرعي (يرتدي نظارة أحادية بعدسة مكسورة). التوقيت: الثانية صباحاً بتوقيت العفن. موضوع التقرير: الكومة العظمية رقم (صفر).
دخل الصرصار فوق الجمجمة المفتوحة. غمس ريشة الكتابة في بركة الدم المتبقية وبدأ يكتب على جلد الضحية نفسه بصرير مزعج.
لائحة الاتهامات موجهة ضد الميت:
المخالفة الأولى:
الغش التجاري. تبين بعد الفحص أن جمجمة المذكور كانت محشوة بـ "نشارة الخشب" و"شعارات مستهلكة"، مما تسبب في عسر هضم للسادة الضباع، الضحية خدع النظام؛ قدم نفسه كوجبة دسمة، لكنه كان فارغاً من المحتوى الغذائي.
المخالفة الثانية:
تلويث ممتلكات الدولة. دماء الضحية لوثت "بدلات" الضباع الرسمية. هذا يُعد تخريباً متعمداً لهيبة السلطة. الموت ليس عذراً للفوضى.
المخالفة الثالثة:
الموت بدون تصريح. قام المدعو (المُشاهد) بمغادرة الحياة دون تقديم طلب خطي مسبق بـ 30 يوماً. هذا إخلال بالجدول الزمني للمسلخ.
الحكم القضائي
بناءً على قانون الغابة، المادة رقم (عصف/مأكول)، وبما أن المتهم عاجز عن الدفاع عن نفسه (لأنه مات)، فقد اعتبر صمته اعترافاً.
نص الحكم:
بما أن الموت راحة لا يستحقها "المشاهد السلبي"، قررت المحكمة رفض استلام روحه في العدم. يُحكم على "الوعي" المتبقي للضحية بالعقوبة التالية:
""النفي المؤبد إلى الدرك الأسفل من الملهاة العبثية
حيثيات التنفيذ
لن يموت. سيبقى وعيه عالقاً في تكرار أبدي.
سيتحول إلى "نكتة" سمجة
سيُجبر على أن يعيش دور "الضحكة المسجلة" في مسلسلات كوميدية رديئة يشاهدها الضباع أثناء العشاء.
في كل مرة يضحك الضبع، سيتألم هو...!
الفاتورة النهائية:
ختم الصرصار التقرير بختم أحمر ضخم على جبهة الجمجمة الفارغة: "مرفوض".
علق ورقة صفراء على إصبع القدم العظمي: "غرامة تنظيف المكان تُخصم من ميراث أبنائك". رفعت الجلسة.
انطفأ الضوء. الضباع عادت للنوم. وفي الظلام الدامس، بدأ يُسمع صوت ضحك "مسجل" يخرج من الجمجمة المحطمة.. ضحك هستيري، أجوف، ومستمر إلى الأبد.
انتهى المحضر......
[السجل]
(رسالة نظام تلقائية تظهر للقارئ الآن):
⚠️ تنبيه:
لقد وصلتَ إلى نهاية النص. الكاميرا الأمامية في جهازك التقطت للتو ردة فعلك. تم تصنيف تعابير وجهك كـ "موافق". الضباع في طريقها إليك لاستلام "الطبلة". يُرجى الانتظار في مكانك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس
.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي
.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور
.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن
.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set