الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية

سهام يوسف علي

2026 / 1 / 10
الادارة و الاقتصاد


في البداية، وكما أؤكد دائمًا عند تدريسي لطلبة الدراسات العليا مادة الاقتصاد الكلي، فإن فهم السياسات الاقتصادية لا يبدأ من الأرقام، بل من تشخيص الحالة الاقتصادية. فلا توجد سياسة مالية أو نقدية صالحة لكل زمان ومكان، بل لكل اقتصاد ظرفه، ولكل مرحلة أدواتها. وما يصلح في اقتصاد مكتمل التشغيل قد يكون كارثيًا في اقتصاد راكد، وما يُعد انضباطًا ماليًا في بلد منتج قد يتحول إلى خنق اقتصادي في بلد ريعي هش كالعراق.
العراق يعاني اليوم من ركود واضح: أكثر من 70٪ من الموازنة تُنفق على المصروفات التشغيلية، وتتصدّرها الرواتب، بينما البطالة مرتفعة، لا سيما المقنّعة في القطاع العام. البنية التحتية هشة، خصوصًا الكهرباء والمياه، ونحو 17٪ من السكان يعيشون تحت خط الفقر، في ظل مستويات فساد مرتفعة تتجلى في امتيازات ورواتب الرئاسات العليا. ومع ذلك، يركز النقاش العام غالبًا على "الانضباط المالي"، وكأن المشكلة الأساسية ليست اختلال الاقتصاد نفسه.
وفق المنهج الكينزي، هذه البيئة ليست مناسبة لرفع الضرائب أو فرض التقشف، بل يفترض أن تكون السياسة توسّعًا ماليًا استثماريًا، وليس أنفاقا تشغيليًا استهلاكيًا. فالركود يعكس ضعف الطلب الكلي، وهذا الطلب لا يُعالَج بالجباية، بل يحتاج إلى إنفاق استثماري حقيقي يحرك الاقتصاد ويخلق وظائف.
يمكن قراءة ضعف الطلب الكلي في العراق عبر مؤشرات واضحة:
1.البطالة المرتفعة والمقنّعة تشير إلى أن الاقتصاد لا يستوعب كامل قوة العمل المتاحة، فيصبح الطلب على السلع والخدمات أقل من الطاقة الإنتاجية المتوفرة.
2. ضعف الاستثمار الخاص يجعل رأس المال مترددًا، والاعتماد على الاستيراد بدل الإنتاج المحلي يزيد من ضعف الطلب الكلي، إذ أن الاستثمار هو المكوّن الأكثر حساسية لتوقعات السوق.
3.هيمنة الإنفاق التشغيلي على الاستثماري، مع نحو 70٪ من الموازنة للرواتب والنفقات الجارية، يحافظ على حد أدنى من الاستهلاك لكنه لا يوسّع الطلب المستقبلي، ما يجعل الاقتصاد راكدًا.
الفقر يجعل شريحة واسعة من السكان غير قادرة على الاستهلاك الكافي.
4.ضعف البنية التحتية يزيد تكلفة الإنتاج ويحد من قدرة العرض على تلبية الطلب.
هنا يتكوّن ما يمكن تسميته "ركودًا مزدوجًا": ضعف في الطلب من جهة، وقيود على العرض من جهة أخرى.
حتى استقرار الأسعار نسبيًا لا يدل على صحة الاقتصاد، فهو نتيجة دعم حكومي للسلة الغذائية وتدخل إداري، وليس انعكاسًا لتوازن طبيعي بين العرض والطلب. التضخم المنخفض في ظل بطالة وفقر لا يعني عافية اقتصادية، بل ركودًا مكبّحًا، كما يشير المنهج الكينزي.
في بداية عام 2026، فرضت الحكومة رسومًا جمركية مرتفعة على السلع الكمالية مثل السيارات والأجهزة الكهربائية والهواتف ، في حين بقيت السلع الأساسية مثل الأدوية والمواد الغذائية معفاة أو برسوم منخفضة جدًا. وفقًا للمسؤولين والخبراء الاقتصاديين، الهدف من هذه الإجراءات هو تنظيم السوق، دعم المنتج المحلي، توحيد التعريفات بين الإقليم والمركز، وضبط التهريب. ومع ذلك، شهد السوق ارتفاعًا في أسعار بعض الأجهزة نتيجة اختلال آليات التسعير وسياسات الاستيراد، وهو ما يضغط على القوة الشرائية للمستهلكين ويخلق سوقًا موازية محتملة للأجهزة المستعملة أو المهرب.
من منظور كينزي، مثل هذه الإجراءات قد تكون مفيدة إذا تم توجيه العوائد نحو الاستثمار المنتج وخلق وظائف حقيقية، وليس فقط لضبط الإيرادات أو تغطية العجز. في الحالة العراقية الحالية، ومع غياب توسع استثماري حقيقي، فإن الرسوم تعمل كأداة محاسبية أكثر منها أداة تحريك اقتصادي، مما يعزز الركود بدل معالجته.
في ضوء ضعف الطلب الكلي والركود ، يصبح من الضروري أن تتجه السياسة الاقتصادية إلى الإنفاق الاستثماري المدروس، حتى لو استلزم ذلك عجزًا مؤقتًا. كينز لم يكن ضد العجز، بل ضد العجز العقيم؛ العجز الذي يُموّل رواتب وامتيازات هو عبء، بينما العجز الذي يُموّل البنية التحتية أو الصناعة أو الزراعة هو استثمار في المستقبل. لذلك، الأولوية في السياسة الكينزية هي للإنفاق العام الاستثماري، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع العجز أو التضخم نسبيًا، فالمهم أن يُحرّك الاقتصاد ويُخلق دخل وفرص عمل..
المفارقة أن العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من سوء ترتيب الأولويات. الدولة توازن دفاترها لتبدو مستقرة على الورق، لكنها لا توازن اقتصادها ليكون قادرًا على الإنتاج والتشغيل، فالاقتصاد العراقي يحتاج إلى دفعة استثمارية قوية.

في حالة العراق، كينز كان سيقول ببساطة: شغّل الناس أولًا، حرّك الطلب، ابنِ البنية التحتية، وساعتها فقط سيأتي التوازن المالي من تلقاء نفسه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مواقف الأمير الوالد التاريخية وإنجازاته السياسية والاقتصادية


.. منافسة بين أب ونجله في مسابقة دولة التلاوة .. لكن رأي لجنة




.. كيف قاد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني نهضة الاقتص


.. شاركنا رأيك.. هل سيرتفع الذهب أم سيتراجع؟




.. ليلة من الفرح الإنكليزي بعد بلوغ المربع الذهبي