الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الشرعية والمشروعية
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2026 / 1 / 10
قضايا ثقافية
في الخطاب السياسي والقانوني كثيرًا ما تُستعمل مفردتا الشرعية والمشروعية وكأنهما مترادفتان، غير أن التدقيق في المعنى والاستخدام يكشف عن تمايز دقيق لكنه جوهري بين المفهومين، تمايز ينعكس مباشرة على فهم طبيعة السلطة، وحدودها، وطريقة ممارستها.
فالشرعية ترتبط أساسًا بمصدر السلطة، أي بالسؤال: من أين استمد الحاكم أو النظام حقه في الحكم؟ وهي تقوم على رضا المحكومين وقبولهم، سواء تحقق هذا الرضا عبر الانتخابات العامة، أو الاستفتاءات، أو البيعة، أو أي آلية أخرى يقرّها المجتمع بوصفها تعبيرًا عن إرادته. وعليه، فإن الشرعية مفهوم سياسي-اجتماعي في جوهره، يعبّر عن العلاقة بين الحاكم والشعب، ويُقاس بدرجة القبول الشعبي والثقة العامة، لا بمجرد وجود السلطة أو فرضها بالقوة. فالنظام قد يمتلك أدوات السيطرة، لكنه يفتقد الشرعية إذا غاب الرضا الشعبي أو انتُهك مبدأ الاختيار الحر.
أما المشروعية، فهي ترتبط بكيفية ممارسة السلطة لا بمصدرها، وتُعنى بمدى التزام النظام الحاكم بالقواعد المرجعية التي تحكم المجتمع. فالمشروعية تعني أن تكون القوانين والقرارات والتنظيمات الصادرة عن الدولة منسجمة مع الدستور، ومتوافقة مع القيم الدينية، ولا تصطدم بالعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية الراسخة لدى الشعب. ومن هنا فإن المشروعية مفهوم قانوني-معياري، يركز على سلامة الإجراءات وصحة المضمون، بغضّ النظر عن كون الحاكم منتخبًا أو غير منتخب.
وعند المقارنة بين المفهومين، يتضح أن بينهما نقطة التقاء أساسية، تتمثل في أن كليهما يسعيان إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، وضمان قبول النظام داخل المجتمع. فلا شرعية بلا حد أدنى من المشروعية، لأن السلطة التي تنتهك الدستور والقيم العامة تفقد تدريجيًا ثقة الناس، حتى وإن جاءت عبر صناديق الاقتراع. وفي المقابل، لا قيمة حقيقية للمشروعية إذا كانت صادرة عن سلطة مرفوضة شعبيًا، إذ تبقى القوانين حينها مجرد نصوص فاقدة للروح.
ومع ذلك، يبقى الاختلاف الجوهري بينهما واضحًا؛ فالشرعية تُعنى بالسؤال السياسي: من يحكم؟ وبأي حق؟ بينما تهتم المشروعية بالسؤال القانوني والأخلاقي: كيف يُحكم؟ وهل ما يُمارس من سلطة يتفق مع القواعد العليا للمجتمع؟ وقد يكون النظام شرعيًا من حيث الأصل، لكنه غير مشروع في ممارساته، إذا انحرف عن الدستور أو انتهك القيم الدينية والاجتماعية. كما قد يكون النظام ملتزمًا شكليًا بالقوانين (مشروعًا)، لكنه يفتقد الشرعية إذا فُرض على الناس دون رضاهم.
وخلاصة القول، إن الشرعية والمشروعية مفهومان متكاملان لا متطابقان؛ فالشرعية تمنح السلطة حق الوجود، والمشروعية تمنحها حق الاستمرار. وأي نظام يسعى إلى ترسيخ حكمه واستدامته لا بد أن يجمع بين القبول الشعبي من جهة، والالتزام الدستوري والقيمي من جهة أخرى، لأن فقدان أحدهما كفيل بإضعاف الدولة، وفتح الباب أمام الأزمات والاضطرابات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس تحرير صحيفة الوفاق الإيرانية: مقر خاتم الأنبياء يقود إد
.. إلى أي مدى يعكس التدرج العسكري الأمريكي استعدادا لتوسيع العم
.. ضربات نوعية تضرب العمق الإيراني.. انفجارات تهز خمس مدن
.. -نحس- ليونيل ميسي.. طقوس غريبة تمنع رئيس الأرجنتين من السفر!
.. بعد اتهامات ترمب للصين.. واشنطن تطلب مراجعة قوائم الناخبين