الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المعاملة رقم 412/ب
نعمة المهدي
2026 / 1 / 10الادب والفن
"في دهاليز الروتين، لا نموتُ لأن قلوبنا توقفت، بل لأننا تحوّلنا إلى أرقامٍ سقطت سهواً من سجلّ الذاكرة."
منذ خمسة عشر عاماً، وسعاد تمارس طقسها الرتيب خلف مكتبٍ خشبيّ تآكلت أطرافه في ركنٍ منزوٍ بـ "مديرية التقاعد". لم تكن مجرد موظفة، بل كانت "خزانة الأسرار الرقمية" للمكان؛ ففي زحام الدائرة المكتظة وصخب المراجعين، غاب اسمها عن الألسن ليحل محله رقم مكتبها، وصارت ذاكرتها التي لا تخون هي المرجع الأخير لكل إضبارة تائهة. كانت تستحضر أرقام الإحالات وتواريخ الصدور بلمحة خاطفة، كأنها خُلقت لتكون أرشيفاً حياً في جسد إنسان.
عرفتها الردهات بنزاهةٍ صامتة لا تشوبها شائبة؛ لا تساوم، لا تشتكي، ولا تسمح لنفسها بترَف الشعور الذي قد تفرضه مأساة مراجعٍ أو دموع أرملة. كانت تنجز مهامها بدقة باردة، محولةً الحكايات البشرية المنكسرة أمام شباكها إلى تسلسلات رقمية صماء. الوجوه تتبدل، الأصوات تختلط، والحكايات تتشابه حتى تفقد ملامحها وتغدو محض "أوراق" تنتظر الختم.
ذات صباحٍ لاهب، وقف أمام شباكها رجلٌ غزا التعبُ ملامحه، يرتجف قلمه وهو يوقع "المعاملة رقم 412/ب". لسببٍ يجهله المنطق البيروقراطي، ولأول مرة منذ دهور، خرقت سعاد صمتها المعتاد. نظرت إلى عيني الرجل، ووعدته بنبرة خفيضة: "اتركها عندي يا حجّي.. أنا سأنهيها لك".
في اليوم التالي، ظل الكرسي خاوياً، وساد صمتٌ مريب في أروقة الدائرة. وفي اليوم الثالث، حين لم يأتِ صوت صرير مكتبها، دفعت النخوة بعض زملائها لتفقدها في شقتها بـ "السيدية". هناك، وجدوا جمهرة من الجيران واجمة أمام بابها؛ لقد فارقت سعاد الحياة فوق سجادة صلاتها، بهدوءٍ يشبه عزلتها القديمة، وتاركةً خلفها فجوةً لم يسدها سوى الغياب.
أقيم لها عزاءٌ يليق بـ "الست سعاد" الموظفة المثالية، وضجت الدائرة بأحاديث الزملاء عن نزاهتها. ولكن، بمجرد انقضاء الأيام الثلاثة، استعاد الروتين سطوته؛ جلس موظف جديد على الكرسي ذاته، وبدأ يقلب الأضابير بآلية خالية من الذاكرة.
وحين عاد المراجع العجوز بآماله الخضراء يسأل عن "وعد" الست سعاد، أجابه الموظف الجديد وهو يمسح الغبار عن المكتب:
"الموظفة التي كانت هنا ماتت.. ومعاملتك فُقدت في زحام الأوراق. عليك أن تبدأ من الصفر!".
هناك، وسط لجيج الأصوات، سقطت الحقيقة المرة:
سعاد التي وهبت عمرها لترتيب حيوات الآخرين كملفاتٍ مرقمة، انتهت هي الأخرى كـ "رقمٍ" سقط من سجل الخدمة، ليُغلق ملفها بختم النسيان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاصيل الحالة الصحية للفنان عبد العزيز مخيون ويوجه رسالة خاص
.. أون سيت - شوف رأي الفنانة ألفت أمام في قضية مسلسل قسمة العدل
.. أون سيت - المخرج أحمد خالد: قضية مسلسل قسمة العدل تعكس قناعا
.. أون سيت - لقاء مع الفنانة إيمان العاصي في لوكيشن مسلسل قسمة
.. أون سيت - اعرف أكتر حاجة شدت الفنان عابد عناني في دوره في قس