الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية (1956-2019)

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 1 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


مع رفع العلم الوطني عام 1956، دخل السودان مرحلة الاستقلال الشكلي حاملاً إرثاً استعمارياً لم يُمس. النخب التي تسلمت السلطة لم تكن تمتلك مشروعاً وطنياً للتحرر الاقتصادي والاجتماعي، بل كانت تشكل جزءاً من البنية الطبقية التي خلقها الاستعمار. كانت مهمتها الأساسية ليست تفكيك جهاز الدولة الاستعماري، بل إدارته لصالح مصالحها الضيقة مع الحفاظ على ارتباطها العضوي بالمراكز الإمبريالية.

لم تكن الطبقة السياسية التي حكمت السودان بعد الاستقلال برجوازية وطنية بالمفهوم الكلاسيكي، بل كانت برجوازية كومبرادورية تقوم بدور الوسيط بين الاقتصاد العالمي والمجتمع المحلي. مصالحها كانت مرتبطة باستمرار تدفق المواد الخام السودانية إلى الأسواق العالمية، وليس بتطوير صناعة محلية أو زراعة غذائية. هذا الموقع الوسطي جعلها معادية لأي تحول جذري يهدد علاقاتها مع الشركاء الخارجيين.

الجهاز البيروقراطي الذي ورثته الدولة المستقلة كان أداة مصممة للسيطرة لا للخدمة. تحول الموظفون الكبار إلى طبقة مستقلة مصالحها مرتبطة باستمرار النظام لا بتطوير المجتمع. لم تكن البيروقراطية أداة محايدة تنفذ سياسات الدولة، بل كانت قوة اجتماعية تمتلك مصالح طبقية خاصة، تعمل على تحويل المناصب العامة إلى مصادر للثراء والامتيازات.

أما المؤسسة العسكرية فقد تحولت إلى أقوى فاعل في المعادلة الطبقية. لم يكن الجيش مجرد مؤسسة دفاعية، بل تحول إلى مركز للسلطة الاقتصادية والسياسية. سيطر العسكريون على المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتحولت الرتب العسكرية إلى رأس مال سياسي يمكن تحويله إلى ثروة مادية. هذا التحول جعل الجيش الحكم الفعلي في الصراعات بين الفصائل المدنية المختلفة.

تفاعلت هذه المكونات الطبقية الثلاثة - البرجوازية الكومبرادورية، البيروقراطية العليا، القيادة العسكرية - لتشكل كتلة مهيمنة متحالفة رغم تنافسها الداخلي. كان تحالفها قائماً على قاعدة مشتركة: الحفاظ على علاقات الإنتاج التابعة، وإعادة إنتاج نظام الاستغلال، ومنع بروز أي قوة اجتماعية بديلة.

دور هذه الكتلة المهيمنة لم يكن تنموياً بل ريَعياً. اعتمدت على تصدير المواد الخام (القطن، الصمغ العربي، ثم النفط لاحقاً) دون استثمار العائدات في تطوير قوى إنتاجية حقيقية. استخدمت العوائد الريعية لتمويل أجهزة القمع وشراء الولاءات، بينما أهملت التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية الإنتاجية.

سياسة "التهميش المنظم" التي مورست ضد مناطق عديدة لم تكن نتيجة إهمال، بل كانت استراتيجية طبقية متعمدة. هدفها كان تحويل هذه المناطق إلى مخازن لقوة العمل الرخيصة وموارد طبيعية، مع حرمانها من أي تنمية حقيقية. هذه السياسة خلقت احتياطياً من الفقر والبؤس يمكن استغلاله كوقود لأي صراع داخلي.

تحولت الدولة إلى "غنيمة" تتنافس عليها الفصائل المختلفة داخل الكتلة الحاكمة. كل انقلاب عسكري كان يعبر عن محاولة فصيل معين للسيطرة على هذه الغنيمة، لا عن رؤية سياسية مختلفة. كانت الحروب الأهلية المتتالية تعبيراً عن هذا التنافس على الموارد والسلطة بين أجنحة النخبة الحاكمة.

السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة - سواء الليبرالية أو "الاشتراكية" - كانت أشكالاً مختلفة لنفس الجوهر: خدمة مصالح الكتلة الحاكمة. حتى التجربة "الاشتراكية" في عهد النميري لم تكن سوى رأسمالية دولة تخدم مصالح البيروقراطية الحاكمة، حيث تحول القطاع العام إلى وسيلة للسيطرة على الاقتصاد وليس لتوزيع الثروة.

الأيديولوجيا الإسلامية التي تبنتها بعض الحكومات لم تكن سوى غطاء لمصالح طبقية. استُخدم الدين لتبرير السياسات الاقتصادية القاسية، ولتقسيم المجتمع، ولإضفاء الشرعية على نظام استغلالي. تحول الخطاب الديني إلى أداة في الصراع الطبقي، يستخدم لإخضاع الفقراء وترهيبهم باسم الدين.

التعليم في ظل هذه النخب تحول إلى أداة لإعادة إنتاج النظام الطبقي. المدارس والجامعات صُممت لإنتاج النخبة الجديدة التي ستواصل السيطرة، ولتخريج أغلبية لا تمتلك الوعي النقدي اللازم لفهم آليات استغلالها. نظام التعليم أصبح مصنعاً للطاعة، لا للتحرر.

عندما اندلعت الحرب الحالية، لم تكن سوى الفصل الأخير في مسرحية بدأت مع الاستقلال الشكلي. الصراع بين الجيش والدعم السريع هو صراع بين فصيلين من نفس الكتلة الطبقية على حصة أكبر من الغنيمة الوطنية. كلاهما يمثل مصالح شرائح من البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية العسكرية.

ما يسمى "الانتقال الديمقراطي" كان محاولة لتجميل النظام دون تغيير بنيته الطبقية. حاولت القوى المدنية إصلاح ما لا يمكن إصلاحه: جهاز دولة مصمم أصلاً للقهر والاستغلال. فشلت هذه المحاولات لأنها لم تمس أسس السلطة الطبقية.

اليوم، السودان أمام خيارين: إما الاستمرار في إعادة إنتاج نفس النخب بوجوه جديدة، أو كسر هذه الحلقة المفرغة عبر تحول جذري في موازين القوى الطبقية. النخب القديمة أثبتت عجزها عن قيادة مشروع وطني حقيقي، لأن مصالحها مرتبطة عضويًا باستمرار التبعية والتخلف.

الحل لا يأتي من داخل هذه النخب، بل من خارجها: من تحالف القوى الاجتماعية التي تدفع ثمن فشل النظام - العمال، الفلاحون، الشباب العاطلون، النساء المهمشات، سكان الأطراف المغيبون. فقط عبر تنظيم هذه القوى في مشروع تحرري حقيقي يمكن كسر دائرة الإخفاق.

كما كتب المفكر الماركسي المصري سمير أمين: "التخلف ليس مرحلة سابقة على التقدم، بل هو نتاج التقدم ذاته في المركز الإمبريالي". النخب السودانية كانت أداة في هذه المعادلة، وساهمت في إعادة إنتاج التخلف كشرط لبقائها في السلطة. تحرير السودان يبدأ بتحريره من هذه النخب ومن النظام الطبقي الذي تمثله.

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين إيران وغرينلاند، تتغير المفاهيم و..الهيمنة واحدة


.. فنزويلا : ترامب يضع أسس حقبة جديدة ما بعد مادورو




.. كأس الأمم الإفريقية 2025: المغرب بين التاريخ والواقع في رحلة


.. عاجل | رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي: مليونية




.. عاجل | مظلوم عبدي: قررنا سحب قواتنا من شرقي حلب إلى مناطق شر