الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الخروج من زنزانة ابن رشد

كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)

2026 / 1 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


على المثقف العربي المعاصر أن يدرك حقيقة مُرَّة، تتجاوز الشعارات العاطفية التي نتغنى بها في كتب التاريخ؛ وهي أن كل ما يُشاع حول أثر ابن رشد في نهضتنا أو نهضة غيرنا يحتاج إلى إعادة فحص باردة وجريئة.
إننا، حين نستحضر ابن رشد اليوم، لا نفعل ذلك حباً في "البرهان" العقلي، بل استجابةً لشعور عميق بالدونية أمام الحضارة الغربية، محاولين إثبات أننا "كنا يوماً ما" شركاء في العقلانية.
ابن رشد: الجسر الذي عبره غيرنا وبقينا نحن على الضفة:
يجب أن نفهم أن محور فلسفة ابن رشد وهو التوفيق بين الحكمة والشريعة لم يكن في حقيقته هدفاً نهائياً للعقل الإنساني الذي صنع النهضة الغربية، بل كان "تكتيكاً" تاريخياً. لقد استخدم الغرب هذا المنهج كقنطرة للعبور من سجن النص الكنسي إلى رحابة العقل الحر. ولكن، بمجرد أن وصل الغرب إلى ضفة الحداثة، ألقى بـ "عكاز" ابن رشد، وأطاح بسلطة النصوص المقدسة ليقيم مكانها سلطة العقل المحض.
أما نحن، فما زلنا نقف عند الجسر ذاته، نردد كلام ابن رشد ليس لنتحرر، بل لنستمد من كلامه "فتوى" تبرر لنا استخدام عقولنا! وهذا في جوهره هو قمة "الاستلاب النقلي"؛ فأن تحتاج لنص قديم لتبرر به قيمة العقل، يعني أنك لم تبرح مكانك في سجن النقل بعد.
العائق لخروجنا من سجن النص. ليس سياسياً. وليس نتيجة لهيمنة ثقافة دينية سلطوية. فكل من السياسة واللاهوت الديني هم صنيعة الإنسان الواقع في الأسر. إنه سجن سيكولوجي
إن المعضلة التي تمنع الإنسان العربي والشرقي من الانتقال من "حكم النقل" إلى "حكم العقل" ليست مجرد عائق سياسي أو قصور ثقافي يمكن حله بالتعليم، بل هي مشكلة متجذرة في سيكولوجية الإنسان الشرقي ذاته.
نحن نعيش حالة من "الفوات الزمني" والنفسي؛ حيث ترى هذه السيكولوجية أن "الكمال" قد حدث في الماضي، وما علينا سوى استعادته. هذا النزوع يجعل العقل "استعادياً" بطبعه، يميل إلى الطمأنينة التي يوفرها النقل والامتثال لسلطة الأب، أو الشيخ، أو النص، هرباً من قلق الشك ومسؤولية التفكير الحر. إنها بنية نفسية ترى في العقل "مغامرة غير مأمونة" وفي النقل "ملاذاً آمناً".

التكنولوجيا كأداة لتكريس التخلف:
قد يظن البعض أن الثورة التقنية الكبرى، والذكاء الاصطناعي، قد يجبران العقل الشرقي على الانكسار والتحول نحو العقلانية. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً. إن الإنسان الذي لم يغير "برمجته النفسية" سيطوع أحدث الأدوات لتخدم جموده.
سوف يتحول الذكاء الاصطناعي في بيئتنا من أداة للتحليل والنقد إلى "خادم فائق للنقليات". سنرى أتمتة للفتوى، وتكريساً رقمياً للاتباع، واستخداماً لمنطق الآلة لشرعنة التقاليد الجامدة. التكنولوجيا هنا لن تكون صدمة حضارية، بل ستكون "غلافاً حديثاً" لقلب قديم، مما يزيد من صعوبة حدوث أي "نقطة انكسار" في الأفق القريب.
هذه الفكرة الأخيرة قالها بوضوح د. زكي نجيب محمود، في مرحلة تراجعه الفكري قبل وفاته. حيث قال بأن المعاصرة التي تحتفظ بالأصالة، تعني استخدامنا للقوالب الفكرية والإبداعية الحديثة، لإنتاج مضاميننا الفكرية الأصيلة!!
كلمة أخيرة
إن معدل التقدم في الشرق سيظل ضئيلاً ومدى فعاليته سيظل محدوداً ما لم نعترف بأننا نعاني من عجز بنيوي في الانتقال إلى حكم العقل. التغيير لا يبدأ باقتناء الأجهزة، ولا بالتمسح بأسماء فلاسفة رحلوا، بل بزلزال يضرب "السيكولوجية النقلية". التي تجعلنا نستهلك منتجات العقلانية الغربية ونحن نحارب قيمها في الوقت ذاته.
هل هناك أمل في أن نكون يوماً مستعدين حقاً لمواجهة ذواتنا المتخفية خلف قناع "ابن رشد"، ونتجاوزه، ونتجاوز تكتيك إعمال العقل في حدود وإطار وأسر النص، لنحرر العقل من الأسر. ونحلق به في سماوات الإبداع الحر؟
أم سنستمر في تكتيف أنفسنا بأغلال النص وحدود ما يسمح لنا به؟!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ردعلى مقالكم الكريم
محمد حسين صبيح كبة ( 2026 / 1 / 10 - 21:25 )
السلام عليكم
شكراعلى مقالكم الرائع
لقدمرت بي ذكريات معينة إثناءقراءتي لمقالكم كيف أن هناك كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي وكيف أن هناك كتاب تهاف التهافت لإبن رشدوكيف تم منعي من الأهل وأناشاب من قراءةالإثنين
بل وكيف حلمت ذات يوم بحلم رهيب أن أباحنيفة النعمان يقول لي وأمامناأكثرمن 500 كتاب يقال أنهاله أنه لم يصدرولم يكتب وينشرسوى كتاب واحدمنهالاغيروالباقي مفتريات عليه وأن كتابه الوحيدهذاهو فقه السنّة
مع التقدير


2 - هل لك أن تفصح؟
ونا التقي ( 2026 / 1 / 10 - 22:04 )
قطعتك هذه تتجنب أن تزعج الاصوليين، وتتحدث بلغة النخب بطريقة براغماتية لا يدركها القارئ البسيط. هل لك أن تقول بوضوح أن العالم العربي والإسلامي لا يجرؤ على الخروج عن مشروع الإسلام السياسي لأن نخبه وعامته تحاول أن تغازل الإسلاميين بطريقة ابن رشد؟


3 - عجبني عنوان المقال
هانى شاكر ( 2026 / 1 / 10 - 23:50 )

عجبني عنوان المقال
________

و الله اول مرة اعرف ان السيسي أمه اسمها رشد

دي مصيبة سودة يا جدعان

....


4 - العافية درجات يا استاذ غبريال
د. لبيب سلطان ( 2026 / 1 / 11 - 05:28 )
الانتقال للانتاج العقلي من عبادة النسخ اللفظي لايمكن ان يتم بخطوة ثورية كما عند الثورجية من الايديولوجيات، بل هي عملية تراكمية كأي طبخة .. واول خطوة على الطريق كسر حاجز الوصول لانواع المعرفة بدل معرفية رسمية واحدة سواء دينية او سلطوية كما هو الحال في العالم العربي لحد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي العابر للحدود ودوائر الازهر واروقة الامن السلطوي. ..ويأتي اليوم دور الذكاء الاصطناعي وهو ليس فقط نشر اراء او قراءة نص بل تجهيز معرفة والاخيرة اغلبها يجب ان يمتاز بالموضوعية وهذه تعني ضرورة تشغيل العقل واذا اشتغل ولو قليلا سيساعد على كسر الجمود..واذا الجمود انكسر ..فلابد للقدر ان يستجيب
مع الشكر والتحية


5 - العرب كالعرجون لا يصلحون إلا وقودا للحروب
ليندا كبرييل ( 2026 / 1 / 11 - 15:23 )
الأستاذ كمال غبريال المحترم
تحية وسلاما

العقل العربي المستلَب، مسترخٍ كسول، يقبل كل ما يُملى عليه. تعمّق اغترابه عن منطق العصر فأصبح عاجزاً خائفاً من مواجهة حقائق الوجود للأسف .
يؤسفني أن أقول إن العرب كالعرجون في شجرة الحياة لا يصلحون إلا وقوداً للحروب.

مع التحية للحضور الكريم


6 - الاستشراق الداخلي
حميد كوره جي ( 2026 / 1 / 11 - 19:34 )
يرى الأستاذغبريال أن العجز -بنيوي سيكولوجي-. إنه يهمل الظرف الموضوعي إذ إن الإنسان لا يولد -نقلياً- بالوراثة، بل أن النظام التعليمي، القمع السياسي، والفقر الاقتصادي هي التي تحول العقل إلى أداة للامتثال. يبدو أن الأستاذ يعاني مما يسميه البعض -الاستشراق الداخلي-؛ أي رؤية الذات بعيون المستشرق الذي يرى الشرقيين كمجتمعات ثابتة غير قابلة للتطور إلا بصدمة خارجية. العقل الغربي لم يلقِ بالمنهج البرهاني، بل طوره. الفرق أن الغرب وجد في -ابن رشد- أداة لتحطيم الهيمنة الكنسية، بينما نحن استعملناه (غالبا) للدفاع عن النص، وهذا ليس عيباً في -ابن رشد- كفيلسوف، بل في -المؤوّل- المعاصر.


7 - الفهم السقيم
شوكت جميل ( 2026 / 1 / 11 - 21:59 )
يقول براتند راسل:(لا يمكن للرجل الغبي أن ينقل إلينا ما يقوله الرجل الذكي، لأنه يترجم ما يسمعه دون وعي إلى ما في وسعه أن يفهمه).

و قبله قال المتنبي:

وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً
وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ

وَلَكِن تَأخُذُ الآذانُ مِنهُ
عَلى قَدرِ القَرائِحِ وَالعُلومِ

أما قول زكي نجيب(النجيب الذكي)(...مضاميننا الفكرية الأصيلة..) فترجمتها (Genuine)
أي الخالية من التقليد أو الزيف..لا تقليدا لتراث و لا قوالب مستوردة...اتظر لنجيب محغوظ في رواياته الاولى ؛واضح جدا تاثره بتقنيات بلزاك و سرده و و النقد الأدب الغربي و -نظرياته-و لكنه استخدم تلك -القوالب الفكرية- و الابداعية- في تقدبم ادبا مصريا خالصا ............اصيلا-...

اخر الافلام

.. خارج الصندوق | ماذا بعد تصنيف أميركا لأفرع الإخوان كمنظمات إ


.. أميركا تُصعد ضد الإخوان.. تصنيف إرهابي وتحول استراتيجي | #غر




.. العاشرة | أول تعليق من مصر بعد تصنيف أميركا لفروع الإخوان كم


.. خطوة أميركية تقلب المشهد.. هل يحاصر تنظيم الإخوان عالميا؟ |




.. كلهم باعوك يا مرشد.. الإعلامي أحمد سالم: أخيرا أمريكا صنفت -