الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ويلهام رايش: سؤال الاستبداد من مدخل الجسد

سعد بن علال

2026 / 1 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


لا يمكن استحضار ويلهام رايش بوصفه مجرد هامش في تاريخ التحليل النفسي أو الماركسية، بل باعتباره أحد أولئك المفكرين الذين حاولوا – مبكرًا – مساءلة ما تجاهلته النظريات الثورية الكلاسيكية: كيف يتكوّن الاستبداد داخل الأفراد قبل أن يتجسد في الدولة؟
رايش لم ينشغل بسؤال السلطة من حيث هي جهاز قمع فقط، بل من حيث هي علاقة داخلية، تُعاد إنتاجها يوميًا داخل الأسرة، المدرسة، الأخلاق، والدين. ومن هنا تحديدًا تبدأ راهنيته.
ضد التفسير الاقتصادي الميكانيكي
انطلق رايش من داخل الماركسية، لكنه سرعان ما اصطدم بنزعتها الاختزالية. فالهزائم المتتالية التي عرفتها الحركة العمالية في أوروبا، وصعود الفاشية، لا يمكن – في نظره – تفسيرها فقط عبر ميزان القوى الطبقية أو خيانة القيادات.
السؤال الذي طرحه كان أكثر إزعاجًا:
لماذا تنحاز قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية إلى مشاريع سلطوية، بل فاشية، ضد مصالحها الموضوعية؟
هنا يقترح رايش توسيع التحليل الماركسي، لا بنفيه، بل بتعميقه، عبر إدخال البعد النفسي-الاجتماعي بوصفه لحظة ضرورية في فهم الهيمنة.
البنية النفسية للهيمنة
في كتابه المفصلي «علم نفس الجماهير والفاشية»، يقدّم رايش أطروحة مركزية:
الفاشية ليست حدثًا سياسيًا طارئًا، بل نتيجة تراكم تاريخي لبنية نفسية سلطوية، تُنتجها مؤسسات التنشئة في المجتمع الطبقي.
الأسرة الأبوية، في هذا السياق، ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل مدرسة أولى للطاعة:
الأب = السلطة
الطاعة = فضيلة
الرغبة = خطيئة
الجسد = مصدر تهديد
بهذا المعنى، يصبح القمع السياسي امتدادًا منطقيًا لقمع أعمق، غير مرئي، ومستبطن.
الجسد بوصفه حقلًا للصراع
يضع رايش الجسد في قلب التحليل السياسي. ليس الجسد هنا مسألة أخلاقية أو ثقافية، بل رهانًا سلطويًا.
فالفرد المكبوت، المحروم من التصالح مع جسده ورغباته، هو فرد:
خائف من الحرية
محتاج إلى سلطة خارجية
ميّال إلى التماهي مع القائد
قابل لتبرير العنف باسم النظام والأخلاق
هكذا تتحول الأخلاق المحافظة إلى وظيفة سياسية، ويغدو الكبت الجنسي أحد شروط إعادة إنتاج الاستبداد.
حدود الأطروحة وإشكاليتها
غير أن رايش، في سعيه إلى فضح البنية النفسية للهيمنة، وقع أحيانًا في نزعة تعميمية، كأن الكبت الجنسي يفسر وحده كل أشكال الطاعة والخضوع. كما أن انفصاله اللاحق عن المنهج العلمي الصارم، وانزلاقه نحو أطروحات شبه-بيولوجية، أضعف مشروعه وفتح الباب لعزله وتشويهه.
لكن هذه الانزلاقات لا تلغي جوهر مساهمته، بقدر ما تكشف ثمن التفكير خارج الأرثوذكسية، سواء كانت ماركسية أو علمية.
راهنية رايش في السياق العربي
في مجتمعاتنا، حيث يتقاطع الاستبداد السياسي مع المحافظة الاجتماعية، وحيث يُجرَّم الجسد باسم الأخلاق، ويُقمع السؤال باسم الهوية، يبدو رايش مفكرًا راهنيًا أكثر مما يُتصور.
ففشل الانتقالات، وعودة السلطوية، وضعف الوعي النقدي، لا يمكن فهمها فقط عبر القمع أو التدخلات الخارجية، بل أيضًا عبر بنية نفسية جماعية لم تُفكك بعد.
التحرر السياسي دون تفكيك هذه البنية يظل تحررًا هشًا، قابلًا للارتداد في أول أزمة.
خلاصة مفتوحة
لم يكن فيلهلم رايش منظّرًا جاهز الأجوبة، بل صاحب أسئلة محرجة. وأسئلته تظل مزعجة لكل تفكير يساري يكتفي بتحليل الدولة وينسى الإنسان، أو يراهن على الثورة دون أن يسائل ما ترسّب في الوعي والجسد معًا.
ربما تكمن قيمة رايش اليوم في هذا التذكير البسيط والعميق:
لا ثورة ممكنة ضد الاستبداد، ما لم تبدأ أيضًا ضد ما يسكننا منه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. باكستان: مقتل 12 شخصا في هجوم على الشرطة بسيارة مفخخة


.. إسبانيا: بدء إجلاء الركاب من السفينة المنكوبة بفيروس هانتا




.. هل تنتظر طهران تطورا معينا للرد على المقترح الأمريكي؟


.. قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق فخر الدين العريان يوجّه




.. إيران تسلم ردها على المقترح الأميركي.. ماذا جاء فيه؟