الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحراك في حمص عام 1973

خليل الشيخة
كاتب وقاص

(Kalil Chikha)

2026 / 1 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


احتجاجات حمص عام 1973 ضد الأسد
كنتُ ما أزال في المرحلة الابتدائية عندما انقلب الأسد على رفاقه في حزب البعث. وربما رضي تجّار دمشق به على مضض، كونه وعدهم بفتح السوق أمامهم وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، لكنها كانت وعودًا كاذبة ليتمكّن؛ أو كما يقول المثل السوري: «يتمسكن ليتمكّن».
إلا أن أهل حمص لم يُعجبهم الأسد ولا حزب البعث، وربما كانوا ينتظرون الفرصة ليثوروا ضده.
وبما أنه منع السوريين من التجمع لأكثر من شخصين، اهتدى أهل حمص إلى فكرة التجمع في «مولد النبي»، وهنا ضربوا عصفورين بحجر واحد: أولًا، يحتفلون كما في كل سنة، حيث يتجمعون ويعلّقون اللافتات تعبيرًا عن الفرح في الشوارع، وثانيًا، يتظاهرون احتجاجًا على جوعهم.
أتت الفرصة في الشهر الخامس من عام 1973، عندما صادف ذلك العام ذكرى مولد النبي، فعلقوا اللافتات على مداخل الشوارع وأبواب المحلات، ثم تجمعوا في ساحة «باب تدمر» وفي «الورشة»، وأخذ الشبان يتبارزون بالسيوف كالعادة، والناس تتحمس لهم وتشجعهم. لكن بعد صلاة الظهر، خرج الناس من المساجد في باب تدمر وباب الدريب والورشة، وبدؤوا يتجمعون في الساحة مرة أخرى، لكن هذه المرة من أجل التظاهر.
فصرخ أحدهم فجأة: «يسقط حزب البعث»، ثم تلاه شخص آخر قائلًا: «يسقط حافظ الأسد»… وكأن الناس كانوا ينتظرون هذا الصراخ حتى ينفجروا من شدة الكبت. سارت مظاهرة باب تدمر لتلتقي بمظاهرة باب الدريب والورشة، ثم توجهوا جميعًا من شارع «كنيسة أم الزنار» نحو السوق المسقوف حتى وصلوا إلى «ساعة الساحة القديمة»، فاضطرب السوق وانضم إليهم أناس كُثر في مسيرتهم، وكانت المظاهرة تكبر مثل كرة الثلج.
ثم ساروا نحو «الساعة الجديدة» (التي ارتكب الأسد الابن فيها مجزرة عام 2011). والساعة الجديدة، كما يُطلق عليها، هي من تبرعات المغتربة «كرجية حداد» في مطلع عام 1958، أي في عهد الوحدة مع مصر، ثم انتهى بناؤها في منتصف الستينيات. وبعدها توجهوا إلى «السرايا» و«جنينة الدبابير» المجاورة لها.
هنا كانت مخابرات الأسد قد تنبهت لهذا الحراك الممنوع والمهدِّد لكرسي الأسد، فهجموا على الناس بالهراوات وكابلات الكهرباء أولًا، ثم نزلت «سرايا الدفاع» التابعة لرفعت الأسد بالسلاح الثقيل من دبابات ومدرعات، وبدأ إطلاق النار على المتظاهرين. وفي هذه اللحظة الحرجة، تفرق الناس في كل الشوارع الفرعية؛ فمنهم من هرب باتجاه «باب هود»، ومنهم من عاد إلى حارته، لكن المصفحات لاحقتهم.
ذهبتُ إلى بيت جدي في حي «الصليبة»، لكن جدتي قالت لي: «اذهب إلى أهلك قبل أن ينشغل بالهم عليك». فنزلت من ناحية «السيباط» متجهًا عبر «شارع الوادي»، وما إن وصلت إلى مدرسة «صلاح الدين» الابتدائية حتى ظهرت دبابة في أول ساحة باب تدمر وبدأت بقصف الأبنية، ثم ظهرت أخرى تقصف ناحية شارع الوادي. خفتُ وصعدت من شارع فرعي، ثم أكملت مشواري المليء بالرعب إلى بيتنا الواقع في حي باب تدمر بجانب «الجبانة». وباتت الشوارع خالية من البشر، حتى القطط والكلاب اختبأت في جحورها.
في اليوم التالي، عندما هدأت الأجواء، نزلت إلى السوق لأشتري لأهلي بعض الحاجيات، ومررت بساحة باب تدمر، فوجدت أن العمارة المواجهة لـ«الكتيب» (والتي يُباع فيها حلاوة خبزية في خميس الحلاوة) قد تضررت من رصاص ومقذوفات المدرعات. وعلى حد علمي، ظلت هذه الثقوب في البناية لسنين طويلة، وربما تركها صاحبها كي يتذكر الناس وحشية جيش الأسد.
كل هذا حدث في عام 1973، قبل أن يقرر الأسد مع السادات دخول حرب تشرين التي سماها «التحريرية»، بينما يسميها السوريون «التحريكية»، أي المناورة الكاذبة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقالة توثيقية رائعة
سفيان ( 2026 / 1 / 12 - 00:22 )
تحية إلى الكاتب
هذه شهادة هامة على تاريخ المجرم حافظ الأسد وابنه الضال الذي دائما يشك في نسبه
لكن إذا كان ابن حافظ أو ابن صلاح جديد فهذا غير مهم لأن الإثنان مجرمان. فقد ورث ذلك الأرعن الجريمة من هذين الإثنين

تحياتي

اخر الافلام

.. (برومو) بودكاست -نزعمو كاملين- | الحلقة 11


.. ماذا يقول برنامج حزب التقدم والاشتراكية للحكومة 2026 - 2031




.. مفهوم السلطة بين ألتوسير وفوكو - د. توفيق شومر ود. لينا جزرا


.. مشاركة الرفيقين فاطمة الزهراء برصات وجمال كريمي بنشقرون على




.. العرب والاستشراق في فكر إدوارد سعيد - د.كمال ميرزا.