الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب

أكرم شلغين

2026 / 1 / 11
قضايا ثقافية


الانتماء المختار... بين التشبث والتمرد
ذات يوم هزتنا فجأة أصوات عائلية حادة لمن استأجروا بنفس الحي في موسم قطاف الزيتون: امرأة وابنها في خندق، يقابلهما الابن الآخر في خندق مضاد. السبب ليس مالا ولا ميراثا، بل حدود السماء نفسها: دين. الأبناء البيولوجيان من رحم واحد، يشتركان في ذاكرة الطفولة ونبرة صوت الأم، لكنهما افترقا عند سؤال الوجود الكبير. هذه ليست مشاجرة عابرة، بل هي مشهد كوني مصغر لصراع الهوية الأكثر إيلاما: صراع الانتماء المختار ضد الانتماء الموروث....
إنها ظاهرة تظهر بأشكال عدة: مثل ذلك الذي وُلد من أبوين مختلفي الملة فتشبث بملة أحدهما بشراسة، أو ذاك الذي حمل اسما أعجميا لكنه صار أكثر دفاعاً عن العروبة ممن نبتت جذورهم في الصحراء. هذه "المغالاة في الانتماء" ليست شذوذا، بل هي نافذة نفوسية وفلسفية على أعماق الكينونة الإنسانية في عالم تتصادم فيه اليقينيات. إنها رحلة الفرد اليائسة نحو بناء معنى خاص في فضاء من المعاني المتضاربة.
جغرافيات الروح المتصارعة
1. صراع الدم والدين: مشهد الجيران هو القلب النابض للظاهرة. إنه يعيد تمثيل "عقدة أوديب الأيديولوجية"، حيث يتحول تمرد الابن على سلطة الأب (أو الأم) البيولوجية إلى انزياح نحو سلطة أب روحي أعظم (دين، مذهب، أيديولوجيا). الابن لا يرفع سلاحه ضد والدته، بل ضد الشقيق الذي يمثل الامتداد الحي لذلك الموروث الذي تخلى عنه. التاريخ مليء بهؤلاء: "القديس بولس" اليهودي الفريسي الذي أصبح الرسول الأعظم للمسيحية، محاربا بضراوة "البدعة" التي نشأ عليها. إنه تحول من الدفاع عن الهوية بالقوة إلى الدفاع عن الهوية الجديدة بقوة مضاعفة.
2. المعتنق الجديد: حَمَلَة المشاعل الأكثر توهجا: ظاهرة "المُستَعْرِب" أو "المُستَغْرِب" المتعصب هي الأمثلة الأوضح. الفيلسوف الفرنسي "جان جينيه"، لص ومتشرد، وجد قضيته القصوى في دفاعه عن "الفهود السود" ثم عن الثورة الفلسطينية، وكتب عنها بنبرة أكثر حدة من الكثيرين من أبناء القضية أنفسهم. إنه يبحث عن "وطن روحي" يعوض عن اغترابه في وطنه الجغرافي والاجتماعي. لقد أشارإدوارد سعيد إلى هذه الحالة في "الثقافة والإمبريالية"، حين لاحظ أن بعض أشد المدافعين عن ثقافة ما هم من خارجها، لأنهم يروا فيها نقاء مثاليا فقدوه في ثقافتهم الأصلية المعقدة.
3. أبناء البيوت المختلطة: ولاءات مُجزأة وولاءات مُبالغ فيها: هنا تكمن الدراما النفسية الأعمق. الطفل الذي ينشأ بين أب مسلم وأم مسيحية، أو بين أب شيعي وأم سنية، يواجه منذ البداية "حرب تمثيل" داخل البيت الواحد. رد الفعل النفسي قد يكون واحداً من اثنين: إما اللامبالاة والانسحاب (رفض الانتماء إلى أي من المعسكرين)، أو، وهذا محط اهتمامنا هنا – "التشبث التعويضي" المفرط بأحد الجانبين. هذا التشبث هو آلية دفاع نفسي ضد شعور عميق بـ "الانقسام" و "اللاانتماء". الابن يحاول أن يثبت لنفسه وللعالم أصالة انتمائه ووحدة هويته، فيبالغ في أداء دوره حتى يفوق أولئك الذين ورثوا الانتماء بسلاسة. إنه يحارب شكوكه الداخلية بقناعة خارجية صاخبة.
الأسباب النفسية-الاجتماعية
1. البحث عن المعنى والتميز: الإنسان كائن "ساعي نحو معنى" بتعبير فيكتور فرانكل. الهوية الموروثة قد تبدو عادية، مجرد حادث ميلاد. لكن الهوية المختارة هي "إنجاز شخصي"، قصة بطولة يرويها الفرد لنفسه: "لقد وجدت الحقيقة". هذا الاكتشاف يمنح حياته وزناً وهدفا فريدا، وغالبا ما يقترن برغبة غير واعية في تمييز الذات عن القطيع الذي ولد فيه.
2. التطهر والخلاص الشخصي: يشبه المعتنق الجديد أو المتشدد في هويته المكتسبة شخصا يغسل عارا أو ذنبا. لقد تحدث الفيلسوف الألماني "كارل ياسبرز" عن "ذنب التضامن" حيث يشعر الفرد بمسؤولية أخلاقية عن خطايا جماعته الأصلية. الانتماء الجديد هو وسيلة للتبرؤ من ذلك الماضي والخلاص منه، عبر الدفاع الحار عن "الحقيقة الجديدة". إنه تطهير ذاتي عبر الانقلاب على الذات السابقة. (في الأدب لدينا أمثلة هي مرآة لواقع يظهر ذلك، مثال أبيغيل في مسرحية مارلو، يهودي مالطا...)
3. الانتماء كسلعة نادرة: ومن جانب اجتماعي ، يرى "بيير بورديو" أن رأس المال الرمزي (الذي يشمل الانتماء) مصدر للقوة. من لا يملك انتماء موروثا قويا، يسعى لبناء رأس مال رمزي مضاعف عبر الحماس الاستثنائي. حماسته هي عملة يدفعها لشراء مقعد في النخبة الجديدة. إنها إستراتيجية للبقاء والاعتراف في عالم اجتماعي جديد.
4. الاستقطاب والجماعة البديلة: في عالم يزداد فردانية وانهيارا للروابط التقليدية (العائلة الممتدة، الحي، الطائفة التقليدية)، تقدم الهويات المكتسبة والمتشددة "جماعة بديلة" صلبة توفر اليقين والانضباط والحماية النفسية. الخصم الخارجي (الشقيق المختلف، الآخر الديني أو الفكري) يصبح أداة ضرورية لتوثيق عرى التماسك الداخلي لهذه الجماعة البديلة، كما يذكرنا عالم الاجتماع "إميل دوركهايم" بوظيفة "الطقس السلبي" في توحيد الجماعة ضد منتهك المحرمات.
نحو تفهم التعصب... لا لتبريره
ظاهرة المغالاة في الانتماء المختار، إذن، ليست دليلا على "الجنون" أو "الشر"، بل هي في جوهرها تراجيديا البحث عن الهوية في عصر الانهيارات الكبرى. إنها صرخة روحية ضد العدمية واللامعنى. الفرد، محملا بصراعاته الوجودية وشكوكه الوراثية، يلقي بنفسه في أحضان يقين جامد، كي لا يضيع في فضاء التساؤل الفسيح.
لكن فهم الأسباب النفسية والاجتماعية لا يعني التسليم بنتائجها المدمرة. عندما يتحول البحث الشخصي عن المعنى إلى حرب هويات، وعندما يستخدم الشقيق المختلف أو الجار المخالف كـ "آخر" ضروري لتأكيد الذات، فإننا نخلق جحيما أرضياً من الانقسامات. التحدي الحضاري الكبير هو كيف نصنع مجتمعات تسمح بـ "انتماءات مرنة"، حيث يمكن للفرد أن يحمل أكثر من هوية دون أن يشعر بالخيانة أو النقص، وحيث لا تكون المغالاة في الانتماء هي الثمن الوحيد للاعتراف. ربما تكون النضج الروحي والفكري الحقيقي هو القدرة على حمل الانتماء بشغف، من دون أن يحملنا هذا الانتماء إلى معاداة الآخر المختلف، خاصة إذا كان هذا الآخر يجلس معنا على مائدة طعام واحدة، أو شاركنا غرفة نوم واحدة في طفولتنا. كما كتب الشاعر والفيلسوف "طاغور: "إن الحجر الذي يرفض الاندماج مع الآخرين يُبنى به السجون، أما الذي يتحد مع غيره فيحب بعضهم بعضا، فيشاد به المعابد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران تتمسك بخطوطها الحمراء النووية وسط مفاوضات متعثرة مع وا


.. فيضانات المغرب: مقتل أربعة أشخاص جراء أمطار غزيرة غير مسبوقة




.. حاكم كاليفورنيا.. خصم جديد يؤرق ترمب ويهدد الجمهوريين


.. إيران تجهز أقوى أسلحتها للرد على الضربة الأميركية المحتملة




.. واشنطن لـ-طهران-: عليكم تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات