الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 1 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
في كل ثورة تقريبًا، يتكرر المشهد نفسه وإن تغيرت الأسماء والساحات: من يزرعون البذرة ليسوا هم من يقطفون الثمار. البذرة يضعها أناس بسطاء، تواقون إلى الحرية والكرامة وكسر القيد اليومي، فيما الثمار كثيرًا ما يتم قطفها لاحقًا على أيدي آخرين، تواقين إلى العقيدة أو الوراثة أو السلطة الجاهزة، لا إلى الثورة بوصفها فعل تحرر.
الدقة التاريخية تفرض علينا أن نبدأ من إيران عام 1979. خلافًا للسردية الشائعة، لم تكن الشرارة الأولى دينية، ولم يخرج الناس إلى الشوارع لأنهم أتباع الخميني. الاحتجاجات انطلقت ضد الشاه بوصفه رمزًا للاستبداد والتبعية والفساد، وقادها طيف واسع من القوى الاجتماعية والسياسية أبرزها حزب "توده"، الى جانب عمال وطلاب ويساريين وقوميين.
كان الغضب اجتماعيًا وسياسيًا، وكانت المطالب أرضية وواضحة. لكن ما إن بدأ النظام يترنح، حتى تقدم التيار الديني، الأكثر تنظيمًا والأكثر استعدادًا لملء الفراغ، فاستولى على الثورة، وأعاد تعريفها، وصادر نتائجها باسم العقيدة. هكذا تحولت ثورة على الاستبداد إلى نظام ديني صادر شركاءه واحدًا تلو الآخر.
هذا النموذج لم يبق إيرانيًا. في سوريا، خرج الناس من درعا، لا من المساجد. الهتافات الأولى لم تكن دينية، بل مدنية، بسيطة، ومباشرة: حرية وكرامة. غير أن غياب القيادة المدنية، وعسكرة الصراع، وفتح الأبواب أمام المال والسلاح، سمح للتشكيلات الدينية بالتقدم، حتى تم اختزال الثورة في صورة لا تشبه لحظتها الأولى. إن من زرعوا البذرة وجدوا أنفسهم خارج المشهد، فيما قطف الثمار من يلوح بأسماء وشعارات لم تكن يومًا جزءًا من الغضب الأولي.
وفي مصر، تكررت القصة بأسلوب مختلف. ثورة يناير لم يشعلها تنظيم ديني، بل شباب ناقمون على القمع والفساد وانسداد الأفق. لكنها، بعد سقوط رأس النظام، وقعت فريسة الفراغ. هنا، تقدم الأكثر تنظيمًا لا الأكثر تضحية، وتم استبدال شرعية الشارع بشرعية الصندوق، ثم أُعيد إنتاج الاستبداد بصيغة أخرى. مرة أخرى، من زرع لم يحصد، ومن حصد لم يزرع.
اليوم، ومع الحراك المتجدد في إيران، يبدو المشهد مختلفًا من حيث الشكل، لكنه محفوف بالمخاطر ذاتها. الاحتجاجات تخرج من الأسواق لا من المساجد، من الجيوب الخاوية لا من المنابر، من لغة الخبز لا من لغة الغيب. وهذا بحد ذاته تطور نوعي. غير أن الخطر لا يكمن فقط في بقايا الخمينية، بل أيضًا في البدائل التي تنتظر على الهامش.
هنا يبرز ولي عهد الشاه، رضا بهلوي، بوصفه نموذجًا آخر لمن ينتظر قطف الثمرة. لغته ناعمة، وخطابه حداثي، لكنه، في الجوهر، يقف خارج الحراك الشعبي، ويقدم نفسه كخيار جاهز، لا كنتاج طبيعي للشارع. ورفض الخمينية لا يعني تلقائيًا الحنين إلى الشاه، تمامًا كما أن رفض الإسلام السياسي لا يعني القبول بالاستبداد القديم. حصر الشعوب بين خيارين فاشلين هو شكل آخر من مصادرة الإرادة.
المشكلة، إذًا، ليست في الدين وحده، ولا في العائلة الحاكمة وحدها، بل في كل من يرى في الثورة سلمًا لا فعلًا تحرريًا. الخطر الحقيقي هو في اختطاف اللحظة، في تحويل الغضب الشعبي إلى غنيمة سياسية، سواء كانت تعلوها عمامة، أو صورة ملك منفي، أو تتغنى بخطاب ديمقراطي مستورد.
الثورات لا تفشل لحظة انفجارها، بل لحظة ما بعدها. هناك، حيث يطرح السؤال الأصعب: لمن تكون الثورة؟ لمن أشعلها ودفع ثمنها، أم لمن أحسن الانتظار حتى تنضج الثمرة؟
الدرس واحد، من طهران إلى درعا إلى القاهرة: تزرع بذرة الحرية في الشارع، لكن حمايتها تحتاج وعيًا وتنظيمًا، وإلا تم قطفها مرة أخرى… باسم العقيدة، أو باسم الماضي، أو باسم "البديل الجاهز".
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدولار المحاصر في مضيق هرمز، والضغط الجنوبي على المنظومة ال
.. تراجع اليسار وصعود اليمين يعيدان رسم الخريطة الجيوسياسية لأم
.. تعقيب الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله حول مداخلات ا
.. د. عزوز صنهاجي يستعرض مشاريع ترشيحات الحزب للإنتخابات التشري
.. بنعبد الله يقدم تقرير المكتب السياسي أمام الدورة الثامنة للج