الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
2026 / 1 / 12
الادب والفن
في الساعة الخامسة والعشرين بتوقيت النسيان، حين تعامد عقربا الساعة ليثقبا غشاء الواقع، كانت السماء تذرف دموع التماثيل. لم تكن ثمة أرضية؛ بل وقف الجميع فوق سطح بحيرة متجمدة من الوعود المنكوثة، شفافة لدرجة تتيح رؤية الجحيم يتثاءب بملل في الأسفل.
تلك الكائنات الانتهازية لم تنتمِ لفصيلة الضباع البيولوجية، بل كانوا بشراً انتزعوا عمودهم الفقري طواعية، واستبدلوه بسلاسل معدنية من "المصالح المشتركة".
توسطهم "السيد س"، مرتدياً بدلة حيكت من جلود الميكروفونات القديمة. لم تكن ضحكته صوتاً، بل موجة جاذبية هشمت زجاج نوافذ عام 1990 في الماضي البعيد. أما عيناه، فكانتا شاشتي عرض تبثان أسعار هبوط العملة بشكل مباشر، تدوران في محجريهما بحثاً عن أي جيفة سياسية طازجة.
في منتصف المأدبة، طفت جثة "الفكرة" العملاقة كحوت أزرق تضخم حتى الانفجار. فاحت منها رائحة سريالية: مزيج من عطر فرنسي باذخ وبارود رخيص. وحين انسكبت أحشاؤها، لم تكن دماً، بل مسودات قوانين ملطخة بالمربى، وكراسي مخملية ما زالت دافئة، وأختام رسمية تحولت إلى خنافس سوداء تزحف ببطء.
بدأت طقوس الأكل الميتافيزيقية. لم يستخدموا الشوك أو السكاكين، بل مدوا ألسنة متشعبة عبر الأبعاد الخمسة. انقض الضبع الأول ليعب "السيادة"؛ لم يمضغها، بل استنشقها كغبار كوني، فانتفخ رأسه كمنطاد وظهرت على جبهته عبارة "عاجل" بضوء النيون الأحمر. أما الثاني، فراح يلعق دماء "الميزانية" التي سالت كالزئبق؛ وكلما لعق المزيد، اختفى جزء من جسده المادي ليظهر كصورة "هولوغرامية" في حساب بنكي بسويسرا.
في تلك اللحظة الخارجة عن الزمن، لم يأكلوا اللحم، بل التهموا المستقبل، وحولوه إلى "فضلات" تخرج فوراً على هيئة تصريحات صحفية منمقة.
فجأة، انطوت الغرفة على نفسها كظرف رسالة بريدية. استحالت الجدران أرضيات، والسقف مرآة تعكس دواخل الضباع لا هيئتهم. في المرآة، لم يظهروا ببدلات أنيقة، بل كثقوب سوداء صغيرة تمشي على قدمين؛ ثقوب تمتص الضوء، والحقيقة، وأرغفة الخبز من موائد الفقراء في بُعد آخر.
تحدث أحدهم بصوت يخرج من أذن المستمع لا من فم المتحدث: "هذا اللحم قاسٍ قليلاً... هل هو مجرد أيديولوجيا معلبة منتهية الصلاحية؟" فأجابه الآخر وهو يخلل أسنانه بعظمة ساق مواطن كادح: "لا يهم... طالما أنه مات، فهو لنا. نحن لا نصطاد، نحن فقط ننتظر تعفن الأحلام لتصبح طرية بما يكفي للبلع".
عندما شبعوا، لم يغادروا، بل تحولوا في دورة عبثية إلى الجيفة التالية. بدأوا بالتهام أطرافهم، مبتسمين لكاميرات تصور الفراغ، حتى سقطت بقاياهم اللزجة التي لم تعد بشراً ولا ضباعاً، بل عصارة انتهازية مركزة نحو الأسفل، نحو "مدفن التاريخ الكبير".
هنا، حيث ترقد نفايات القرون السابقة بوقار القذارة: تيجان صدئة لطغاة سقطوا، ودبابات ذابت خجلاً. وحين لامست عصارة الضباع أرضية المدفن، حدث ما لم يسبق في فيزياء الدناءة؛ انتفضت كومة من الخطايا التاريخية القديمة! صرخت مقصلة فرنسية يعلوها الصدأ: "ابتعدوا عني! أنا قتلت ملوكاً لأجل مبادئ خاطئة، لكنني أملك حديداً وشرفاً! أما أنتم فمجرد بلاستيك سياسي معاد تدويره".
حاولت العصارة الالتصاق بوثائق سرية محروقة من الحرب الباردة، لكن الرماد تكتل وسعل هارباً، رافضاً الامتزاج بهذا الهجين من الانحطاط. أدركت النفايات العظيمة أن هؤلاء ليسوا أوساخاً ناتجة عن مأساة حقيقية، بل "فيروسات عدمية" و"خطأ مطبعي" في كتاب الوجود.
وبحركة طاردة مركزية تتجاوز قوانين نيوتن، بصق المكب هؤلاء الضباع خارج حدوده. لم يُطردوا إلى النور، ولم يُعادوا إلى الحياة، بل قُذفوا إلى "هامش الصحف المنسية".
انتهى بهم المطاف عالقين في المسافة البيضاء الفاصلة بين الكلمات في كتب التاريخ المدرسية. تحولوا إلى "تشويش"؛ ذبذبات طفيلية تحاول الالتصاق بأي حدث عظيم لتسرق منه المعنى، لكن الأحداث تنفضهم كما ينفض الحصان الذباب الأزرق.
الآن، يطوفون حول مكبات التاريخ كنفايات بلا حاوية. يدقون أبواب الجحيم، فيطل الشيطان من نافذته، يشم رائحة نفاقهم اللزج، ويغلق النافذة بإحكام قائلاً: "عودوا من حيث أتيتم.. نحن هنا نعذب الأشرار الحقيقيين، ولا نملك محارق تليق بتدوير الفراغ".
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل الرواية الأمريكية عن انقسام المؤسسة العسكرية الإيرانية صح
.. بدأ بالتمثيل فى مسرح الجامعة .. صدفة دخلت خالد جلال عالم الإ
.. -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
.. تغطية خاصة | مسؤول أميركي لـ-رويترز-: واشنطن لا تزال ملتزمة
.. مسؤول أمريكي: استمرار المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران