الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا

نعمة المهدي

2026 / 1 / 13
حقوق الانسان


قراءة اجتماعية نقدية في الجذور والآثار

يُولد الإنسان، في جوهر الفلسفات الإنسانية الحديثة، بوصفه غاية في ذاته لا وسيلة لتحقيق أهداف الآخرين، غير أن بعض البنى الاجتماعية التقليدية تعيد إنتاج الإنسان، ولا سيما المرأة، بوصفه أداة لتسوية النزاعات. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة “الفصلية” كنموذج صريح لتحويل الفرد من ذات قانونية وأخلاقية إلى قيمة تعويضية تُستخدم في فضّ النزاعات الدموية داخل المجتمع العشائري.
تُعرَّف الفصلية بأنها ممارسة عشائرية يتم بموجبها تسليم امرأة قسرًا من عشيرة الجاني إلى عشيرة المجني عليه، ضمن ما يُعرف بـ“الفصل” أو الدية، وذلك في حالات القتل أو النزاعات العشائرية الكبرى، بهدف إيقاف الثأر واحتواء العنف. ولا يُنظر في هذا السياق إلى إرادة المرأة أو مستواها التعليمي أو وضعها الاجتماعي، إذ تُجرَّد من صفاتها الفردية وتُختزل إلى عنصر وظيفي في معادلة الصلح. قد تكون دكتورة أو طالبة أو أمًّا أو فتاة في مقتبل العمر، فالنتيجة واحدة: إنسان يُستَخدم لتسكين غضب جماعي لم يكن طرفًا فيه.
تعود الجذور التاريخية لهذه الممارسة إلى فترات سابقة على تشكّل الدولة الحديثة، حيث اعتمدت المجتمعات القبلية على منظومة من الأعراف لتنظيم العلاقات الاجتماعية والحد من تفاقم الصراعات. وفي ظل غياب سلطة مركزية فاعلة، اكتسبت هذه الأعراف شرعية وظيفية مؤقتة، بوصفها وسائل تهدف إلى تقليل الخسائر البشرية. غير أن استمرار العمل بالفصلية في سياقات اجتماعية معاصرة، تمتلك مؤسسات قانونية وتعليمية، يجعلها موضع مساءلة أخلاقية عميقة، إذ تتحوّل من آلية ضبط اجتماعي إلى ممارسة تنتهك الكرامة الإنسانية.
ولا تقتصر آثار الفصلية على المرأة وحدها، بل تمتد إلى الأسرة والمحيط الاجتماعي بأكمله. فالأسرة التي تُجبر على تسليم ابنتها تعيش حالة مركّبة من الانكسار والعجز والشعور بالذنب، فيما تواجه المرأة اغترابًا قسريًا داخل زواج لم تختره، وغالبًا ما تُعامَل بوصفها “ضمانة صلح” لا شريكة حياة. وتكشف الشهادات الاجتماعية المتداولة أن هذا الوضع يعرّض النساء إلى أنماط متعددة من العنف الرمزي والنفسي، ويقوّض إحساسهن بالانتماء والأمان.
ورغم تراجع هذه الظاهرة نسبيًا في المدن الكبرى، نتيجة توسّع التعليم ووسائل الإعلام وتنامي حضور الدولة، فإنها لم تختفِ بالكامل. إذ ما تزال تظهر في بعض البيئات الريفية والهامشية، ولا سيما في لحظات ضعف السلطة القانونية أو تصاعد النزاعات المسلحة، ما يدل على أن الفصلية ليست مجرد بقايا عرفية، بل بنية كامنة تُستدعى عند الأزمات، حين يعود الخوف ليكون الحاكم الفعلي للعلاقات الاجتماعية.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على المقاربة القانونية وحدها، فالقانون، مهما بلغت عدالته، لا يمتلك دائمًا القدرة على تغيير القناعات المتجذّرة في الوعي الجمعي. ومن هنا، تبرز أهمية تفكيك الفصلية من داخل البنية الثقافية نفسها، عبر نزع الشرعية الأخلاقية عنها، ورفض توصيفها بوصفها حلًا مشرّفًا للنزاعات. كما يضطلع المثقفون ورجال الدين ووسائل الإعلام بدور محوري في إعادة تعريف مفاهيم الصلح والشرف والعدالة، بما ينسجم مع كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
وتُعدّ إتاحة المجال للسرديات الفردية للنساء المتضررات خطوة ضرورية لكسر الصمت الاجتماعي المحيط بهذه الممارسة، إذ تسهم هذه الأصوات في نقل الفصلية من حيّز العرف المقبول إلى حيّز السؤال الأخلاقي العام. كما أن تعزيز بدائل عشائرية لا تمسّ الجسد الإنساني، مثل التعويضات المالية أو التحكيم المجتمعي الموسّع، يمكن أن يشكّل مسارًا عمليًا لتقليص اللجوء إلى هذا النظام دون صدام مباشر مع البنية الاجتماعية.
إن الفصلية ليست مجرد ممارسة تقليدية، بل مرآة لصراع أعمق بين منطق العرف ومنطق الإنسان. وهي تضع المجتمع أمام سؤال أخلاقي جوهري: هل يمكن تحقيق السلم الاجتماعي عبر التضحية بفرد بريء؟
إن معركة الوعي ضد الفصلية ليست معركة قانون، بل معركة ضمير، تبدأ حين نكفّ عن تبرير العنف باسم السلم، ونستعيد الإنسان بوصفه القيمة الأعلى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأمم المتحدة: قلق إزاء هجوم طائرة مسيرة على شاحنات برنامج ا


.. شبكات | سيول مرعبة تجرف خيام النازحين بإدلب




.. الرابعة | مركز الملك سلمان للإغاثة يدشن قسم العمليات بمستشفى


.. الرابعة | مجلس التعاون: استهداف قوافل الإغاثة في السودان انت




.. أطفال المهاجرين في مينيابوليس يلزمون منازلهم خوفا من شرطة ال