الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الوجع الجميل في الذاكرة

عماد الطيب
كاتب

2026 / 1 / 15
الادب والفن


في كل مرة أمني النفس بالعودة، لا أفعل ذلك بدافع الأمل الخالص، بل بدافع الحاجة إلى إقناع القلب بأن الخسارة لم تكن نهائية. أقول: ماذا لو عادت؟ ثم لا ألبث أن أبتسم بمرارة، لأن الحقيقة أكثر قسوة من الخيال؛ سنتحدث الاحاديث ذاتها، نتبادل الكلمات ذاتها، ونرتكب الأخطاء نفسها، ثم ننهض مثقلين بقطيعة جديدة، أشد قسوة من سابقتها، كأن الفراق يتقن التمرين علينا حتى الإتقان.
ما الذي يصيب الحب في مساره؟ ولماذا يتعكر سريانه بلا مقدمات واضحة، كأن في داخله صدعًا خفيًا لا يُرى إلا بعد الانهيار؟ كيف يتحول من طمأنينة دافئة إلى قلق دائم، ومن يقين جميل إلى شك ينهش التفاصيل؟ لا شيء أكثر إيلامًا من حب لا يُهزم دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، بانزلاقات نفسية صغيرة، غير مرئية، تقوده في النهاية إلى وادٍ سحيق من العتمة، حيث لا صدى للكلمات ولا جدوى للعتاب.
كنت أعتقد أن اللقاء شمس لا تخون، فإذا به شمس شتاء، تظهر خجولة، قصيرة العمر، بالكاد تمنح الدفء، ثم تنسحب سريعًا، تاركة خلفها بردًا مضاعفًا. لماذا لا تطيل اللقاءات أعمارها؟ لماذا لا تتواطأ معنا ضد الزمن؟ لماذا كلما اقتربنا من اكتمال الفرح، عاجلنا الغياب، وكأن للحب قانونًا قاسيًا يمنع استقراره طويلًا؟
الحب، في جوهره، ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل امتحان مستمر للقدرة على الاحتمال. هو تلك الحالة التي ترفعك إلى أقصى النشوة، ثم تتركك معلقًا بين الرجاء والخوف. هو المسافة الهشة بين قلبين يعرفان بعضهما جيدًا، ويعجزان، في الوقت نفسه، عن إنقاذ ما بينهما. نحب بصدق، ثم نفشل بصدق أكبر، لأن الصدق لا يكفي دائمًا، ولأن المشاعر، مهما كانت عظيمة، لا تحسن وحدها إدارة الخراب.
أدرك الآن أن العودة ليست حلًا، وأن التمني ليس شجاعة. بعض العلاقات لا تنكسر لأنها ضعيفة، بل لأنها استُهلكت أكثر مما تحتمل. أُنهكت بالأسئلة المؤجلة، وبالكلمات التي قيلت في غير وقتها، وبالسكوت الطويل الذي كان ينبغي أن يُكسر. هكذا يتحول الحب من ملاذ إلى عبء، ومن شغف إلى ذاكرة موجعة.
لهذا، في هذه المرة، لن أطلب الحضور. لن أستدعي اللقاء كمن يستدعي جرحه ليطمئن أنه ما زال ينزف. سأكتفي بالخيال، فهو أقل قسوة من الواقع، وبالذكريات، لأنها – على وجعها – أكثر رحمة من تكرار الفشل. في الذاكرة يبقى الحب نقيًا، بلا تشوهات جديدة، وبلا خيبات إضافية. هناك فقط أستطيع أن أراكِ كما أحببتك أول مرة، بلا حسابات، وبلا خوف من النهاية.
الحب الذي لا يُعاش حتى نهايته العادلة، يتحول إلى حزن راقٍ، حزن لا يصرخ، بل يقيم في الداخل بهدوء مؤلم. يعلّمك الكثير عن نفسك، عن هشاشتك، وعن قدرتك على التعلق، ثم يتركك تمضي أكثر وعيًا، وأقل براءة. وربما هذا أقسى ما يفعله الحب: أنه لا يرحل فارغ اليدين، بل يأخذ جزءًا منك، ويترك لك جزءًا منه، لتتعلم كيف تعيش بنقص دائم، وحنين لا يهدأ.
سأمضي إذن، لا منتصرًا ولا مهزومًا، بل متصالحًا مع فكرة أن بعض القصص خُلقت لتبقى ناقصة، وأن بعض القلوب تلتقي لتفترق، لا لعيب فيها، بل لأن اكتمالها مستحيل. وسأترك للحب مكانه اللائق في الذاكرة: موجعًا، جميلًا، صادقًا… ومنتهيًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب


.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة




.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08


.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن




.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت