الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
أكرم شلغين
2026 / 1 / 15قضايا ثقافية
ما أقسى ان تبحث عن يد تمسك بها في قعر الهاوية، فتصافح يدا تدفعك الى أعمق. ليست هذه مجرد خيبة امل عابرة، بل زلزالا في جغرافيا النفس البشرية، حيث تتصدع الحدود بين الملجأ والسجن، بين المعزي والمعذب. هنا لا نكون امام فشل علاقة فحسب، بل امام انهيار المرجع ذاته، حين يصبح من يفترض به ان يمنح الطمأنينة هو المصدر الاكثر كثافة للقلق. انه الانهيار المزدوج: انهيار الحال، وانهيار المعنى.
في هذا السياق، تضيء التفصيلية التي يوردها ميشيل فوكو في مستهل كتابه المراقبة والمعاقبة، تلك الصرخة الغريبة التي أطلقها المعذب وهو على حافة الموت مخاطبا جلاده: قبلني. ليست هذه الصرخة تفصيلا سرديا عابرا، بل مفتاحا نفسيا وفلسفيا بالغ العمق لفهم احدى أخطر آليات التعلق الانساني.
الجسد ممدد وممزق، والاحصنة تشد الاوصال، والحشود تراقب طقس السلطة وهي تكتب حكمها على اللحم الحي. وفي ذروة هذا المشهد، لا يطلب المحكوم الرحمة من السماء، ولا العدالة من الحشود، بل يطلب تماس الجلاد نفسه. هنا يحدث الانزياح الاكثر رعبا: يتحول مصدر الالم الى موضوع للرغبة في الاتصال. ليست مصالحة ولا استسلاما بسيطا، بل محاولة يائسة لإعادة تشكيل العلاقة. كأن النفس، وقد سلبت منها كل اشكال السيادة، تحاول التشبث بسلطة اخيرة: سلطة تحويل القوة الخالصة الى علاقة، حتى لو كانت علاقة وهمية، وحتى لو لم تتضمن سوى قبلة في قلب القسوة.
انها محاولة لانتزاع انسانية من قلب اللامنساني. وكما لو ان المعذب يقول: دعني اموت على الاقل داخل علاقة، لا كجسد مهمل في طقس سلطوي اصم. هنا يلتقي فوكو مع ما لمح اليه لاحقا فلاسفة اخرون: ان السلطة لا تكتفي بتعذيب الجسد، بل تسعى الى احتلال الخيال، واعادة توجيه الرغبة ذاتها.
هذا ما يجعل المأساة اشد عمقا في الحالات التي تصفها، حين يكون الملاذ نفسه مصدرا للرعب. فالمريض الذي يواجه موته، ويجد ان من يفترض ان يكون سنده هو أحد اعمدة خوفه، يعيش التمزق ذاته ولكن بصيغة يومية صامتة. الحاجة الى القرب، الى الاعتراف، الى الحنان، لا تختفي، بل تنقلب رغبة محروقة توجه نحو المصدر ذاته الذي يولد الالم. لماذا؟ لان العقل المأزوم، في حالة الضعف المطلق، يفضل علاقة مؤلمة مع مصدر معروف على مواجهة الفراغ المطلق. كما لو ان الالم المشترك اهون من الوحدة الخالصة.
هنا يتجلى ما يمكن تسميته بمازوشية وجودية لا تبحث عن الاذى لذاته، بل عن المعنى عبره. ان يصرخ الانسان قبلني لمن يجرحه، أسهل عليه من ان يعترف انه وحيد تماما في مواجهة موته. انه يحاول بلا وعي ان يجبر المصدر على تغيير دوره، ان يحوله من معذب الى معطف، وذلك بمنحه استسلاما نفسيا استثنائيا. وكأن الاعتراف بالضعف يصبح اخر اوراق التفاوض.
هذا المنطق ذاته نجده متجسدا بقوة في فيلم طفل روز ماري لرولان بولانسكي. الرعب الحقيقي في الفيلم لا يكمن في الغرائبي، بل في خيانة الحميمي. الحمل، الزوج، الجيران، البيت، كلها تتحول الى مصادر تهديد. لا مهرب، لان السجن هو العلاقة ذاتها. الجلاد ليس قوة خارجية، بل هو الملاذ المفترض. وهذا الانصهار بين الحاجة للحماية والخوف من المصدر هو ما يولد ذلك القلق الوجودي الذي لا اسم له.
عند هذه النقطة، نفهم ان ما نتحدث عنه ليس مجرد خذلان شخصي، بل شكلا من اشكال العقاب النفسي الداخلي. العقاب هنا لا يمارس على الجسد، بل على القدرة على التمييز. كما في طقس فوكو، حيث يجري تفكيك الجسد علنا لتعليم درس في السلطة، يجري هنا تفكيك العالم الداخلي للضحية: ثقته، حاجته، وامله. غير ان هذا التفكيك يتم في صمت العلاقة، لا امام حشود، بل امام عين الجلاد-الملاذ وحده. وهو عقاب أكثر ديمومة، لأنه لا ينتهي بانتهاء المشهد، بل يستمر كصدى داخلي طويل.
الادب مليء بصور هذه الالتباسات القاتلة. في علاقة هيثكليف وكاثرين في مرتفعات وذرينغ، يتحول الحب الى تعذيب متبادل، حيث لا يمكن الفصل بين الملاذ والجحيم. وفي العاشق لمارغريت دوراس، تختلط الهيمنة بالاستسلام، والقوة بالهشاشة، في علاقة لا يمكن فيها فصل الرغبة عن الالم. هذه ليست حكايات حب، بل تشريحات لتلك المنطقة المعتمة حيث تلتقي الحاجة القصوى بالقسوة القصوى، وحيث يمكن لصرخة أنقذني ان تنقلب الى اقتلني، او قبلني وانا اموت.
في الختام، فان فهم آلية طلب القبلة من الجلاد ليس تبريرا لها، بل ادراكا لعمق الجرح الذي تنتجه. الشفاء لا يبدأ بالبحث عن ملاذ جديد، بل بكسر تلك المعادلة النفسية التي تربط الالم بالاهتمام، والقسوة بالحب. يبدأ باستعادة الحق في الغضب دون تحويله الى توق مازوخي. وربما يبدأ بقبول فكرة قاسية: ان بعض الهزائم الوجودية لا تعوض بعلاقة اخرى، بل ببناء سلام داخلي يكون فيه الفرد ملاذ نفسه الاول والاخير، حتى لو كان هذا الملاذ يسمع صدى صرخاته في صمت.
وكما ان صرخة قبلني في مشهد فوكو كانت لحظة افول لعالم العقاب الجسدي العلني، فان التحرر من الحاجة النفسية المشابهة في علاقاتنا قد يكون بداية مؤلمة لعالم أكثر وضوحا، حتى وان كان اكثر وحدة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بداية جديدة على جزيرة كريت اليونانية | يوروماكس
.. باريس سان جرمان يمطر شباك مرسيليا بخماسية ويستعيد صدارة الدو
.. من سنوات الجفاف إلى اختبار الفيضانات: كيف يستثمر المغرب الأم
.. فتح معبر رفح.. ما دور مصر في المرحلة الثانية من خطة ترامب لل
.. الحصبة.. ما سبب انتشارها في الولايات المتحدة؟ • فرانس 24