الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
خلف علي الخلف
2026 / 1 / 15مواضيع وابحاث سياسية
اطلعت على مقتطفات من لقاء الأخ الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية، مع قناة شمس الكردية. وهو اللقاء الذي رفضت بثه القناة بعد تلقيها تهديدات من حزب العمال الكردستاني، كما أورد موقع المدن نقلا عن مسؤول أمني كردي، وبثت مقتطفات منه قناة الإخبارية السورية الرسمية هذا اليوم، 15/01/2026. وقد تمحور اللقاء حول مسار المفاوضات مع «قسد» وحقوق المواطنين السوريين الأكراد. وقد وجدت أن ما تحدث به الشرع يصلح لأن يكون اللبنة الأساسية للبناء عليها في معالجة القضية الكردية في سوريا.
ففي مناخ سياسي مشحون، وفي خضم نقاشات حامية بين السوريين حول اتفاق 10 آذار 2025، بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفي ظل التطورات العسكرية الأخيرة التي ما تزال قائمة، من الضروري، بداية، فصل قضية حقوق الأكراد كمواطنين سوريين عن علاقة الدولة بمنظمة مسلحة. وهذا الفصل ليس تحليلا تكتيكيا، بل ضرورة وطنية تضمن سيادة الدولة، وتحترم حقوق المكونات الوطنية ضمن مؤسساتها دون القفز فوق الدستور أو الالتفاف عليه.
إتفاق آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، مثل محاولة لإعادة توحيد البلاد، وإعادة الوجود الرسمي السوري إلى منطقة الجزيرة وحوض الفرات بعد سنوات من الصراع والهيمنة شبه المستقلة. وقد تضمن بنودا تهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية، وتأكيد وحدة الأراضي والمواطنة المتساوية لكل السوريين، بمن فيهم الأكراد.
لكن جوهر الإشكالية لا يكمن في طريقة التنفيذ وفهم الطرفين لطبيعة العلاقة العسكرية، وبدرجة أقل السياسية. بل بالارتباط الإقليمي والدولي لملف «قسد» كتنظيم مسلح عابر للدولة وتشابكات هذا الملف الإقليمية والدولية. فعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الاتفاق، فإن المسار التنفيذي بقي معطلا، وقاد ذلك إلى تصعيد عسكري في مناطق مثل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب خلال بداية عام 2026، بعد فشل تنفيذ ترتيبات دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، وأدى إلى مواجهات بين القوات الحكومية و«قسد»، ونشهد الآن تطورات مشابهة في دير حافر ومسكنة ومناطق أخرى في حوض الفرات الشرقي.
في المقتطفات التي بثتها قناة الإخبارية السورية، شدد الشرع على أن حقوق الأكراد ستكون محفوظة في الدستور القادم، وأن حماية المجتمع الكردي لا تكون عبر التنظيمات المسلحة مثل «قسد»، بل عبر اندماجهم الكامل في الدولة ومؤسساتها، مشيرا إلى ضرورة وحدة الدولة وسيادتها وعدم التفريط في مقدراتها مقابل اتفاقات جزئية. هذا الموقف يلخص قضية أساسية: الأكراد السوريون مواطنون لهم حقوق ثابتة ومشروعة في المواطنة والمشاركة السياسية والثقافية واللغوية والإدارية، ولا يمكن أن تكون تلك الحقوق رهنا لمنظمة مسلحة، أو رهينة صيغ تفاوضية لم تطبق أو تفسر بشكل متناقض أو تعطل من خارج الدولة.
ومن هنا، أرى أن لدينا قضيتان منفصلتان تماما، وإن بدا أنهما متداخلتان:
الأولى، القضية الكردية في سوريا. إنها قضية شعب، مكون أصيل من السوريين، لحقه ظلم تاريخي، مضاف إلى الظلم الذي لحق بجميع السوريين. وهذه القضية لا علاقة لها بحزب أو جماعة أو تيار أو منظمة عسكرية. إنها قضية الدولة في التزاماتها أمام مواطنيها. والقضية الكردية هنا ليست قضية الأكراد فقط، بل هي قضية سورية تهم وتنعكس على كل الشعب السوري بكل مكوناته. ويجب أن يكون حلها أحد مسؤوليات الدولة، ليس فقط عبر الاعتراف بالمواطنة المتساوية، بل بالاعتراف بالحقوق التمييزية للأكراد، إذ لا يكفي القول إنهم مواطنون سوريون لهم كافة حقوق المواطنة، فهم سوريون أكراد، لديهم لغة وثقافة تخصهم، ومنتشرون في توزع جغرافي يشكلون في بعض مناطقه غالبية عظمى. إذ يجب أن يكون حل القضية الكردية عبر دستور واضح وشفاف، وقوانين ومراسيم وإجراءات تنفيذية معلنة، وليس عبر هيكلة عسكرية لهذا التنظيم المسلح أو ذاك، أو خطابات ونوايا، ومصطلحات سياسية قابلة للتبدل أو التأويل.
القضية الثانية هي قضية «قسد»، باعتبارها قضية تنظيم عسكري مسلح خارج سلطة الدولة. إن تعريف «قسد» لنفسها، وخطابها المعلن، يقول إنها تنظيم عسكري لكافة مكونات الجزيرة من عرب وكرد وسريان وتركمان ومكونات أخرى، بل إن خطابها المعلن بشكل مستمر يقول إن العرب يشكلون ستين بالمئة من تشكيلاتها العسكرية، وبالتالي فهي ليست تنظيم عسكري كردي، كما أن لها، بشكل واقعي، ارتباطا عضويا بتنظيم مسلح آخر خارج الدولة، وكذلك ارتباطات عسكرية معلنة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
إذن، نحن أمام ميليشيا عسكرية عربية-كردية خارج سلطة الدولة، تشكلت في ظروف دولية وإقليمية ومحلية، ومرتبطة بملفات إقليمية ودولية. وبالتالي، فإن مسار المفاوضات مع هذه الميليشيا العسكرية منفصل كليا عن الحقوق الكردية بوصفها التزام الدولة تجاه مواطنيها.
إن استمرار اعتبار «قسد» شريكا تفاوضيا مع الدولة من دون تمييز واضح بين مواطنين أكراد وقادة ميليشيا مسلحة عابرة للدولة يشوش على الخريطة السياسية، ويمنح مساحة لمنظور غير دستوري وغير مؤسساتي في حل القضايا الوطنية. فالدولة، بوصفها جهة سيادية وممثلة للمواطنة المتساوية، وحدها التي تمتلك الشرعية لحل ملفات المواطنة والحقوق التي يطالب بها أي مكون. بل إن «مؤتمر القامشلي» الذي عقد في أيار الماضي بدعوة وإشراف من «قسد» وضم مشاركين من مختلف الأطياف الكردية ذهب باتجاه الفصل هذا. ويمكن للرئيس الاجتماع مع الوفد التمثيلي الذي تشكل من مخرجات المؤتمر لطرح رؤية الدولة أمامهم لحل القضية الكردية في سوريا والاستئناس بآرائهم.
وهنا تكمن الفكرة الجوهرية التي نقترح أن تعلن عبر ما يمكن أن نسميه بـ«الكتاب الأبيض» لتصور الدولة السورية لحل القضية الكردية:
حقوق الكرد كمواطنين متساوين، لهم تمايز خاص، بالإضافة للمكونات الأخرى التي لديها هذا التمايز، يجب أن ترسخ دستوريا دون تفاوض مع أي جهة حزبية أو عسكرية. و«قسد» مسألة تحلها الدولة حسب رؤيتها وتسوياتها الإقليمية والدولية، ولا تتفاوض معها بوصفها طرفا سياسيا أو قائما على حقوق مكون، بل تنظيما مسلحا، تقوم المفاوضات معه على بند رئيسي هو دمجه في بنية الدولة ومؤسساتها، مع كل تداعيات وتشابكات هذا الدمج مع الأطراف الإقليمية والدولية.
بهذا، تفصل نقطة الخلاف الأساسية: حل الحقوق لا يكون عبر قنوات غير دستورية، ولا يخضع للتفاوض والمساومات، أما التفاوض مع تنظيم مسلح فيخضع لتشابكات إقليمية ودولية، ولمساومات وتسويات وتنازلات من جميع الأطراف.
ومن ذلك، ندعو الدولة السورية، وعبر رئيسها، إلى أخذ زمام المبادرة، وإعلان خطاب تاريخي يقدم فيه رؤية الدولة لحل القضية الكردية في سوريا، ويعلن عن إصدار «الكتاب الأبيض لحل القضية الكردية في سوريا»، ويكون قابلا للتعديل بعد نقاش عام يجب أن يشترك فيه جميع السوريين، وليس الأكراد فقط. وبهذا يمكن نزع الورقة الكردية من يد تنظيم مسلح عابر للدولة، والتفاوض معه بوصفه ملفا يخضع لتسويات وتشابكات دولية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. واشنطن وطهران على حافة تصعيد جديد ومخاوف من العودة إلى حرب ش
.. رافال تحط في حسابات المغرب ومقاتلات روسية في طريقها إلى الجز
.. حرارة قياسية تجتاح فرنسا.. تسعة أقاليم تحت الإنذار الأحمر
.. أميركا وإيران على حافة الانفجار.. إلى أين تتجه المواجهة؟
.. جيش الاحتلال يعلن العثور على منشآت أسلحة لحزب الله