الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!

أكرم شلغين

2026 / 1 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


في رحلة بحث عن وطن روحي، يصير كتاب الأديب الأفاري رسول حمزاتوف "بلادي داغستان" خارطة تؤدي إلى عالم ترفل تناقضاته في ثوب من الجمال والمحبة. فالعالم الذي يصفه حمزاتوف لا يخلو من الخصام والاختلاف، لكنه يظل محكوما بروح جماعية تتسم بالوئام والمحبة والتضامن. وهنا يخطر لي قول الرومي: "أمسكنا القلوب ببعضنا، ونسينا أننا غرباء". وبحق تصبح هذه هي الروح التي تنبض في كتاب حمزاتوف: روح تُذيب الغربة حتى في قلب الخلاف، وتحفظ للإنسان قداسته. حتى صراعاتهم هناك تحمل في طياتها شيئا من الرومانسية الإنسانية، حيث تظل الحياة المقدسة وحق العيش بكرامة خطا أحمر لا يُمس، وكأنهم جميعا يجسدون حكمة أنطون تشيخوف: "إن مهمتنا ليست في الانتصار، بل في الصمود أمام الأعداء، وعدم الانضمام إليهم".
أما في بلادنا، فقد انقلبت الصورة رأسا على عقب. لقد تحولت "الرجولة" في قاموس الكثيرين من معنى الحماية والتضحية، إلى مقياس للقوة التدميرية، وقدرة الفرد على إقصاء الآخر وإزالته من درب الحياة. وكأن تحذير نيتشه يتحقق بمرارة: "احترز من أولئك الذين يدفعهم الشعور العميق بالذل إلى الكراهية، فسيصبحون في النهاية أكثر إرهابا من أي شرير عارض". لقد فقد المجتمع نسيجه الأخلاقي تحت وطأة الذل والهيمنة، وأصبحت الأنماط الاجتماعية السائدة غريبة عن فطرة البشر المجبولة على التعايش.
وما يجري في سوريا اليوم، في مرحلة ما بعد الأسد (التي نسفت كل المعايير والأعراف الاجتماعية والقيمية)، هو النموذج الأقسى لهذا الانهيار. إنه مجتمع مرهق تعلن بعض مكوناته صراحة، بعد طول معاناة، أنها لم يعد تريد العيش تحت سقف واحد مع غيرها، أو أنها تريد نوعا من الحكم يبعدها عن أشقاء الأمس خصوم اليوم. لقد شوِّهت روابط المجتمع الأساسية بوحشية نظام "رتب الجميع في مراتب تحت سلطته وحمايته"، وهي آلية تشبه ما وصفه جورج أورويل بدقة حين قال إن الهدف هو إعادة صياغة الماضي والحاضر لخدمة السلطة. وهذه السياسة تؤدي إلى كسر حلقة التسامح التي تحدث عنها نيلسون مانديلا: "إن لم تسامح، فإن الكراهية تمضي قدما. وعندما يبدأ الناس في الكراهية، لا يكون من السهل كسر تلك الدائرة".
الآن هل يوجد سبيل للخروج؟ بل، كيف نعود من دوامة الكراهية التي تحول الاختلاف إلى خلاف ثم إلى حرب إبادة؟ سياسة الانتقام تهدم ولا تعمر ومقولة "العين بالعين" التي حذر منها مهاتما غاندي لأنها "تجعل العالم بأكمله أعمى"، هي بالضبط ما نعيشه. نحن نتبادل العمى بدل أن نتبادل النظرات التي تبحث عن إنسانيتنا المشتركة.
بعبارة وجيزة، قد يكون الحل كامنا في إعادة مفاهيمنا كما فعل بريخت في تقويل "لا" لمن اعتاد أن يقول "نعم" لما هو خاطئ إنسانيا ووطنيا وقيميا، وأيضا في إعادة تعريف الرفض. ليس الرفض الذي يدمر، بل الرفض الذي يبني، كما فهمه ألبير كامو في قوله عن الإنسان المتمرد: "إنه رجل يقول لا. لكن رفضه لا يعني التخلي: إنه أيضا رجل يقول نعم، منذ حركته الأولى". نعم على الحياة، نعم على التعايش، نعم على الكرامة التي يولد بها كل إنسان.
أين بلادك يا حمزاتوف.. وأين بلادنا؟ هل فعلا صرنا غرباء إلى الأبد؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقابلة خاصة لسكاي نيوز عربية مع المتحدث باسم الخارجية الفرنس


.. مظاهرة داعمة لفلسطين في فرنسا والدنمارك




.. خلافات في الكونغرس الأمريكي تتسبب بوقف تمويل وزارة الأمن الد


.. عاصفة ترابية تضرب القطاع وسط توقعات بهبوب رياح قوية مثيرة لل




.. البعد الآخر | مواجهة ماكرون وروبيو.. أوروبا ترفض الانتقادات