الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


متى يتحول القرار 2254 من شعار إلى مسار؟

ضيا اسكندر
كاتب

2026 / 1 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


في كل مرة يُذكر فيها القرار 2254، يتعامل كثيرون معه كما لو كان تعويذة سياسية تكفي وحدها لإنقاذ بلد ينهار. يُردَّد اسمه في المؤتمرات والبيانات، وتُعلَّق عليه الآمال، ثم يُترك وحيداً في الهواء، بلا أقدام تمشي به إلى الأرض. وبين الترداد والفعل، تضيع سوريا يوماً بعد يوم.

الواقع السوري اليوم لا ينتظر مزيداً من الخطابات، بل يصرخ في وجوهنا. المدن تتآكل، والناس يتعبون، والبلد يفقد ملامحه القديمة. في هذا المشهد، يتحول القرار 2254 من فرصة تاريخية إلى لافتة معلّقة على باب مغلق، نقرأها كل يوم ولا نملك الشجاعة لدفع الباب.

جوهر الأزمة يتجلّى في طريقة التعامل مع القرار داخل الخطاب السياسي. يُستعمل للتزيين، لمنح شرعية لفظية للمواقف، وللظهور بمظهر “الملتزم بالحل”. وعند لحظة الامتحان الحقيقي، عند السؤال عن أدوات التنفيذ، يسود الصمت أو تبدأ المراوغة. كيف ينتقل القرار من الورق إلى الواقع؟ من يملك القوة السياسية والشعبية التي تفرضه في بلد تمزّقه النفوذ والتدخلات؟

الإجماع على النص واسع، لكن الجرأة على شروط تطبيقه نادرة. القرار من دون فاعل وطني منظم يتحول إلى أمنية، ومن دون إرادة سورية مستقلة يصبح ورقة تُتلى في القاعات ثم تُنسى في الشوارع. هكذا يتكرّس التناقض القاتل بين خطاب جميل وعجز فاضح.

المشهد السوري اعتاد إدارة الأزمة أكثر من مواجهتها. انتشرت ثقافة الانتظار، وتعزّز الاتكال على الخارج، وتراكمت الأعذار المرتبطة بـ“التوازنات الدولية”. في هذا المناخ، تراجعت المبادرة الوطنية، وغاب الفعل المنظم، وتحوّلت السياسة إلى خطاب يشرح العجز بدل أن يهزّه.

والحقيقة التي تفرض نفسها اليوم بوجعها الكامل هي هذه: سوريا التي نعرفها تتغيّر أمام أعيننا. استمرار التعامل مع القرار 2254 كشعار منزوع الفاعلية يقود إلى واقع تتآكل فيه الدولة، ويتبعثر فيه المجتمع، وتُدار فيه الأزمات من غرف بعيدة عن الناس وآلامهم. ومع كل يوم يمرّ، تتراجع قدرة السوريين على التأثير في مصيرهم.

تحويل القرار إلى مسار يبدأ ببناء فاعل وطني يمتلك استقلال قراره، ويحدد أهدافه، ويعرف أدواته. يبدأ بجبهة وطنية عريضة، بتوحيد الخطاب السياسي، وإنهاء التشتت، وصياغة برنامج وطني يقوم على الفعل المنظم لا على الخطب، وعلى الضغط المتدرج لا على الانتظار. فالأوطان لا تُنقَذ بالبيانات، بل بالفعل المتراكم.

التشبث اللفظي بالقرار من دون امتلاك أدوات تنفيذه يقود إلى إدارة باردة للانهيار. الزمن في هذه المرحلة يعمل ضد سوريا. كل يوم صمت إضافي يعني جرحاً جديداً في جسد البلد، وكل تأجيل سياسي يُسجَّل كخسارة في رصيد الناس والذاكرة والمستقبل.

المرحلة الراهنة تحتاج انتقالاً جذرياً من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن التعويل على الخارج إلى امتلاك شروط التأثير الذاتي. المعادلات الدولية لا تُراعي من لا يفرض حضوره فيها، والحقوق السياسية تحتاج إرادة تنظيمها وحمايتها والدفاع عنها.

اليوم يتركز السؤال في نقطة واحدة حاسمة: هل يمتلك السوريون الشجاعة لتحمّل كلفة تحويل القرار 2254 إلى مسار فعلي؟ فإما أن تبدأ معركة إنقاذ الوطن الآن، بكل ما تتطلبه من وعي وتنظيم ومواجهة وتضحية، أو يستمر دفع ثمن بقائه شعاراً، بثمن أفدح: بلد يتآكل، مجتمع يُستنزف، وسوريا تبتعد أكثر فأكثر عن صورتها التي نعرفها ونحبها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحالف أوروبي جديد لتعزيز الدفاعات الأوكرانية في مواجهة الصوا


.. اللوحة الختامية للعرض العسكري بباريس.. مرور 4 قرون على تأسيس




.. دوي انفجارات في جزر إيرانية قرب مضيق هرمز مع استمرار الضربات


.. ترامب يعيد الحصار البحري.. هل بدأت المواجهة الكبرى مع إيران؟




.. قادة وشخصيات دولية يقدمون العزاء في الأمير الوالد الشيخ حمد