الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
أكرم شلغين
2026 / 1 / 17قضايا ثقافية
هل يستطيع الشرير أن يعود إنسانا؟ هل هناك، في أعماق تلك النفوس التي تبدو مظلمة، بقية من نور يمكن أن تشتعل مرة أخرى؟ أشعل هذه الأسئلة، وما شابهها، في رأسي سؤال صديق في تعليقه على أحد منشوراتي مؤخرا.
نحن نرى في الحياة وفي التاريخ لحظات مُذهلة تُجيب بنعم. لحظات يذرف فيها الطاغية دمعة، أو ينقذ القاسي حياة، أو يندم الظالم على ما فعل. ومع يقيني أن هناك من لايروقه اقتباسي من فيلم بحد ذاته سأفعل والإنسانية لا تتجزأ. في فيلم "قائمة شندلر"، ينظر الرجل الذي كسب ثروته من عمل اليهود في المعسكرات إلى خاتمه ويبكي، لأنه أدرك أنه كان بإمكانه إنقاذ حياة أكثر. تلك الدمعة لم تكن كذبة، بل كانت صدى لإنسانيته التي طالما دفنها تحت طيات الانتهازية والانصياع للنظام. التاريخ يقدم لنا أوسكار شندلر الحقيقي، وجون رابي الدبلوماسي النازي الذي أنقذ آلاف الصينيين، وبول روسيساباجينا في رواندا. هؤلاء لم يكونوا ملائكة، بل كانوا بشراً عاديين وجدوا أنفسهم داخل أنظمة شيطانية، ثم استيقظ فيهم شيء ما.
علم النفس يحاول فهم هذا "الاستيقاظ". فيليب زيمباردو، من خلال تجربته الشهيرة، أرانا كيف يتحول الطلاب العاديون إلى سجّانية قساة عندما نعطيهم سلطة ويضعهم في نظام يبرر القسوة. لكن خلاصة تجربته لم تكن أن البشر وحوش بالطبع، بل أن الأنظمة هي التي تصنع الوحوش. والعكس صحيح: تغيير النظام وتغيير الظروف قد يستخرج ذلك الجانب الإنساني. يتحدث علماء النفس عن "إعادة الاتصال الإنساني"، عندما يتوقف الشخص عن رؤية الآخر كعدو مجرد أو رقم، ويراه إنسانا له اسم، وأم، وقصة. عندها يتزعزع بناء الشر.
حتى كارل يونغ، تلميذ فرويد، يتحدث عن "الظل"، ذلك الجزء من أنفسنا الذي نخفيه لأنه يحوي كل ما ننكره في شخصياتنا. لا يكتمل الإنسان، حسب يونغ، إلا عندما يواجه ظله ويتصالح معه. ربما يكون أقسى الطغاة هم أولئك الذين هربوا من ظلهم، ونسبوا كل شر في العالم إلى الآخر. ولكن لو استطاعوا، ولو للحظة، أن يلتفتوا إلى ذلك الظل ويعترفوا بأنه جزء منهم، لبدأت رحلة العودة.
لكن السؤال يبقى مؤلما: هل هذا ممكن مع الجميع؟ هنا تنقسم الآراء. البعض يقول إن هناك شراً مرضياً، سيكوباتيا، خاليا من التعاطف أساسا، يصعب استخراج إنسانية منه لأنه ببساطة لا يملك المادة الخام لها. لكن آخرين يرجحون أن هذه الحالات القاسية نادرة، وأن أغلب من نراهم "أشرارا" هم ضحايا ظروف متراكمة، وجروح لم تعالج، وأيديولوجيات سامة، وخوف مهول. هم بشر مشوهون، وليسوا شياطين مجسدة.
حنا أرندت، الفيلسوفة، بعد حضورها محاكمة النازي أدولف أيخمان، قدمت فكرة ستظل تلاحقنا: "ابتذال الشر". رأت أن هذا الرجل، الذي نظم ترحيل الملايين إلى الموت، لم يكن شيطانا متأجج الحقد، بل كان موظفا باهتا، يفكر في ترقياته، ويطيع الأوامر دون تفكير. شره كان عاديا، مملا، ناتجا عن عدم القدرة على التفكير النقدي والشجاعة الأخلاقية. وهذا في الواقع أخطر، لأنه يعني أن البذرة تكمن في الكسل العقلي والطاعة العمياء التي قد نجدها في أنفسنا.
حتى الأدب العالمي استشرف هذا التناقض المأساوي داخل النفس الواحدة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، في مسرحية بريخت العبقرية "السيد بونتيلا وخادمه ماتي"، يقدم لنا نموذجا مذهلا: سيد إقطاعي متغطرس، قاس، ومستبد في حالته الطبيعية (وهي حالته الأطول)، لكنه يتحول إلى إنسان لطيف، كريم، ومتضامن مع الفقراء فقط عندما يكون ثَمِلاً! السُكر هنا ليس مجرد حالة هزلية، بل هو استعارة عميقة. إنه ذلك المثبط الاجتماعي، أو تلك الأقنعة التي تسقط، فيُطلَق العنان للجانب الإنساني المكبوت. بريخت يسألنا: أيهما هو الرجل الحقيقي؟ المتغطرس الصاحي الذي يلتزم بقواعد السلطة والطبقة، أم الوديع الثمل الذي يظهر تعاطفه الحقيقي؟ المسرحية تقترح أن "الشر" قد يكون مجرد دور مفروض، وأن "الخير" قد يكون هو الجوهر المطمور تحت طبقات من التقاليد الاجتماعية والجشع والسلطة. مشكلة بونتيلا ليست في افتقاده للإنسانية، بل في أن نظام حياته والنظارة التي يرتديها وهو صاح لا تسمح لهذه الإنسانية بالظهور إلا في لحظات "ضعف" غير مقبولة اجتماعيا. إنها نفس إشكالية "ابتذال الشر" عند أرندت، ولكن بشكل شعبي وساخر، يكاد يقول: الإنسان الطيب حبيس داخل ذلك الشرير، وهو يحتاج فقط إلى ما يذيبه، ليس كحولا بالضرورة، بل ربما جرعة من الحقيقة، أو لحظة من الضعف، أو مواجهة مع الإنسانية المجردة.
ربما هذه هي النقطة الجوهرية! عندما نسأل "هل يمكن استخراج الجانب الإنساني من الشرير؟"، نحن نفترض أن هناك حاجزا واضحا يفصل بين "نحن" البشر و"هم" الأشرار. ولكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن الخط الفاصل يمر داخل كل قلب منا. الظروف، وليس الجوهر فقط، هي التي تحدد أي جانب سنغذّي.
في النهاية، الإيمان بإمكانية عودة الإنسانية ليس سذاجة أو تسامحا أعمى مع الجرم. بل هو إقرار بعمق الروح البشرية وتعقيدها. هو رفض للإجابة السهلة التي تصنف الناس إلى صناديق مغلقة. نيلسون مانديلا، الذي عانى من شرّ الفصل العنصري، خرج من سجنه الطويل ليقول: "لا أحد يولد يكره إنسانا آخر... الناس تتعلم الكراهية، وإذا كان بإمكانهم تعلم الكراهية، فيمكن تعليمهم الحب".
من هنا، فإن الجواب على السؤال أعلاه يكمن في النظر إلى الشرير ليس ككائن غريب، بل كإنسان ضال. والعودة إلى الإنسانية ليست معجزة، بل هي رحلة شاقة تحتاج إلى جرأة لمواجهة الظل، وشجاعة لكسر النظام الذي ينتج القسوة، وقصص تذكرنا بجذرنا المشترك. قد لا ننجح دائما في استنقاذ كل إنسان سقط في ظلمة شرّه، ولكن محاولة الاستنقاذ هذه هي بالضبط ما يحفظ إنسانيتنا نحن.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. معسكر سري في إثيوبيا تموله الإمارات لتدريب مقاتلين لقوات الد
.. نتنياهو في واشنطن قبل الجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية
.. البرلمان الأوروبي يقر نصين لتشديد سياسة الهجرة واللجوء
.. إيطاليا.. عملية سطو مسلح على قافلة لنقل الأموال
.. انطلاق أعمال المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي تمهيدا لانعقاد