الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً
محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي
(Mohammed Sajit Katia)
2026 / 1 / 17
مواضيع وابحاث سياسية
إياد جمال الدين نموذجاً لتحوّل المثقف في سوق الطائفية
لم يكن إياد جمال الدين شخصية عابرة في المشهد العراقي بعد 2003. بل مثّل، لسنوات، حالة نادرة لرجل دين شيعي يتكلم بلغة الدولة لا الطائفة، وينتقد المليشيات، ويرفض ربط التشيّع بالمحاور الإقليمية، ويؤكد أن قوة الشيعة – كما قوة أي مكوّن – لا تتحقق إلا في ظل دولة قوية عادلة تحتكر السلاح وتفرض القانون.
غير أن هذا الخطاب، رغم ما منحه لصاحبه من احترام فكري وإعلامي، كان ثمنه الإقصاء السياسي. فالحديث عن الدولة في بيئة تُدار بمنطق الجماعة، وعن المواطنة في نظام قائم على المحاصصة، لم يؤدِّ إلى تعزيز موقع إياد جمال الدين، بل أخرجه تدريجياً من العمل السياسي، ثم دفعه – بشكل غير مباشر – إلى الخروج من العراق نفسه.
وهنا تتجلى حقيقة قاسية في التجربة العراقية: الخطاب الوطني لا يُكافَأ بالتمكين، بل يُعاقَب بالنفي والتكميم. في المقابل، الخطاب الطائفي، مهما كان ضيقاً وخطيراً، يملك ما لا يملكه الخطاب الوطني: جمهوراً جاهزاً، لغة خوف مشتركة، وأدوات قوة تحمي من يتبناه. هو خطاب لا يعد بدولة، لكنه يعد بالحماية، ولا يتحدث عن القانون، بل عن البقاء في مواجهة تهديد دائم أو مُتخيَّل.
إياد جمال الدين، كغيره من الأصوات التي راهنت على الدولة، اصطدم بهذه المعادلة. فبعد أن جرّب خطاباً وطنياً كلّفه خروجه من البرلمان ومن الداخل العراقي، بدا أن الرسالة السياسية التي تلقّاها كانت واضحة: هذا الخطاب لا مكان له في سوق السياسة القائم. من هنا، يبدو أن الرجل توصّل – صراحة أو ضمناً – إلى قناعة مفادها أن التأثير والحضور لا يأتي من الصواب الأخلاقي، بل من مخاطبة الجماعة بلغتها ومخاوفها. فانتقل من خطاب يخاطب “العراقي” إلى خطاب يخاطب “الشيعي”، ومن نقد السلاح إلى تبرير وجوده، ومن استقلال القرار الوطني إلى ربط المصير بمحاور إقليمية.
المشكلة هنا ليست في تغيّر الرأي بحد ذاته، فمراجعة المواقف حق مشروع، بل في تغيّر المعايير التي بُنيت عليها المكانة الفكرية للرجل. إذ ما الذي يميّز إياد جمال الدين عن غيره، إذا كان سيستخدم المنطق نفسه الذي أمضى سنوات في نقده؟
قد يُقال إن الظروف تغيّرت، وإن الخطر الوجودي يفرض خطاباً دفاعياً، لكن هذا التبرير ذاته هو جوهر الخطاب الطائفي الذي قاد العراق إلى ما هو عليه. فالدولة لا تُبنى بمنطق الاستثناء، ولا تُستعاد بشرعنة ما قوّضها أصلاً.
إن حالة إياد جمال الدين ليست مسألة شخصية، بل مثال كاشف لمأزق أوسع في العراق: من يتكلم عن الدولة يُقصى، ومن يرفض السلاح يُهمَّش، ومن يخاطب الطائفة يُحتوى، ومن يبرّر القوة خارج القانون يُعاد إدخاله إلى المشهد. إن حالة إياد جمال الدين دليل على مأزق أوسع: مأزق المثقف أو رجل الدين الذي يكتشف أن الخطاب الوطني غير مطلوب شعبياً في زمن الخوف، وأن الطائفية، رغم كل مساوئها، هي الطريق الأسرع إلى الجمهور. لكن التاريخ لا يحاسب على عدد المتابعين، بل على الاتساق. والتأثير الذي يُبنى على الطائفية قد ينجح لحظة، لكنه يترك بلداً ممزقاً.أما الخطاب الوطني، فحتى حين يُهزم سياسياً، يبقى وحده القادر على أن يكون أساس دولة حين تهدأ العواصف.
صحيح أن الجماهير في زمن الخوف لا تبحث عن مشروع دولة، بل عن ملاذ، لكن دور المثقف – أو رجل الدين المتنوّر – لم يكن يوماً مجاراة الغرائز الجمعية، بل تفكيكها وكشف مخاطرها. وإلا، فما الفرق بينه وبين أي خطيب تعبوي آخر؟
قد يكون الخطاب الوطني غير مربح اليوم، وقد لا يملك جمهوراً واسعاً، لكنه وحده الذي لا ينهار مع الزمن. أما الخطاب الطائفي، فحتى حين ينجح، فإنه ينجح على حساب الدولة، وعلى حساب المستقبل.
في النهاية، التأثير الذي يُبنى على الطائفية تأثير مؤقت، لكنه يخلّف أثراً دائماً من الانقسام والخراب. أما الخطاب الوطني، فقد يخسر المعركة الآن، لكنه وحده القادر – حين تتغير الظروف – أن يكون أساساً لدولة لا تقوم على الخوف، بل على المواطنة.
» محمد ساجت السليطي ( كاتب وباحث عراقي)
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية: غياب أرضية المفاوضات
.. وزير الخارجية الأمريكية: منفتحون على حل دبلوماسي وإيران ترسل
.. هل تضرب أمريكا البنية التحتية لإيران؟
.. المقابلة - محطات يصفها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بأنها كانت
.. استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يرفع مخاطر اتساع