الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
محمد وهاب عبود
2026 / 1 / 20مواضيع وابحاث سياسية
إن دول العالم الثالث أو تلك التي تأبى إلا أن تظل متخلفة عن ركب الإنسانية، تشهد حالة من سقوط الأقنعة لتكشف عن وجه قبيح للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. فلم يعد الأمر مجرد عقد اجتماعي مختل كما نظر له جان جاك روسو، بل تحول إلى حالة مرضية من الكراهية الممنهجة التي تمارسها حكومات ضد شعوبها. تلك الحكومات التي تنظر إلى الأغلبية الساحقة لا كمواطنين ذوي حقوق، بل كـ "كتلة بيولوجية" فائضة عن الحاجة، قطيع من المرضى والجهلة، لا يُستدعى إلا في مواسم "الكرنفال الانتخابي" لتجديد شرعية التقايض، وتبادل الكراسي بين طغمة حاكمة تتوارث المال والسلاح كما تتوارث الألقاب.
ففي أوقات الرخاء وحين تدر السماء ذهباً أو تتدفق الأرض نفطاً، تتحول الدولة إلى "إقطاعية خاصة". تمارس القلة المستأثرة بذخاً فاجراً، وتهدر المليارات على تلميع الصور وشراء الذمم وبناء القصور، بينما يُلقى بالفتات للعامة. ولكن ما إن تلوح في الأفق غيوم الإفلاس أو الضائقة، حتى يُكشر النظام عن أنيابه فتنقلب الآية ويصبح "التقشف" واجباً وطنياً يُفرض بالحديد والنار على الفئات الهشة وحدها. فجأة يُطالب الفقراء بدفع فواتير فساد لم يشاركوا في وليمة غنائمه، وتنهال عليهم سياط الضرائب وتقليص الرواتب، ليلقوا في بحر العوز يصارعون الغرق هم وأطفالهم.
أن هذه الأنظمة التي تجوع شعوبها، هي ذاتها التي إذا ما شعرت باهتزاز عروشها، أو داهمها خطر خارجي، هرعت تستجدي "الوطنية" من صدور الجياع، وتدفع بخيرة الشباب إلى محارق الموت دفاعاً عن الوطن الذي اختزلوه في شخوصهم. أما إذا تجرأ هذا الشعب وطالب برغيف خبز بكرامة في وقت السلم، فالتهمة جاهزة ومعلبة: الخيانة، العمالة، والتآمر.
إننا أمام تطبيق حرفي ولكنه مشوه لنصائح "مكيافيلي" لأميره، حيث تلجأ السلطة لافتعال الأزمات الكبرى لحرف الأنظار عن سرقاتها، أو تمارس سيكولوجية "الصدمة والترويض" تفرض إجراءات قاسية ومذلة تجعل الحياة جحيماً، ثم تتنازل عنها قليلاً، ليرضى المواطن المقهور بالحد الأدنى ويعتبره مكرمة. هذه الاستراتيجية لا تنتج دولة، بل تنتج مسخاً فاشياً، ونظاماً قمعياً يخشى شعبه أكثر مما يخشى أعداءه.
وربما في سابقة فكرية بات من الضروري المناداة بإدراج مصطلح "كراهية الشعوب" كجناية عظمى في دساتير الدول التي تحترم نفسها. فإن ثبتت ممارسة الحكومة لهذا السلوك العدائي، عبر التجويع أو الإذلال أو النهب الممنهج لصالح إمبراطوريات المال الفاسد، وجب نزع الشرعية عنها فوراً، ومحاكمتها بتهمة "الخيانة العظمى للأمانة".
ليحذر هؤلاء المتربعون على تلال الجماجم، فالشعوب قد تصبر وقد تغفو وقد تبتلع الإهانة حيناً من الدهر خوفاً أو حكمة، لكن ذاكرتها لا تشيخ، وهي لا تغفر أبداً لمن استهدف كرامتها في مقتل. التاريخ مليء بالدروس والعبر، ومقابر الطغاة شاهدة على أن "الضغط يولد الانفجار"، وأن العاقبة دائماً وخيمة لمن ظن أن الشعوب قطيع يُساق بالعصا إلى الأبد. وكما قال حكيم: "احذر غضبة الحليم، وجوع الكريم"، فكيف إذا اجتمعا في شعب سُلبت منه حتى أحلامه؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التصعيد الأمريكي الإيراني يدخل ليلته السادسة وسط مخاوف على أ
.. ماكرون وميرتس في كولونيا: خلافات الدفاع الأوروبي تختبر متانة
.. كيف تتصاعد العمليات العسكرية الأمريكية على إيران؟
.. هل يدفع التصعيد الأمريكي إيران إلى التراجع في هرمز؟
.. مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية: تحريك المعارضة لإسقاط