الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة نقدية في قصيدة حجر من ديوان يوميات حائط للشاعر محمد نور الدين بن خديجة
محمد نور الدين بن خديجة
2026 / 1 / 21الادب والفن
ــ قراءة نقدية ــــ الاستاذ لحجاب أبو جمال ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سؤال الحيرة والقلق
في قصيدة "حجر".
من بين القصائد المثيرة للجدل
والنقد في ديوان ا"يوميات حائط" للشاعر المغربي محمد نور الدين بنخديجة، قصيدة "حجر": قصيدة كثيفة المعجم وقوية المعنى، قصيدة تجمع بين "المعقول" و"اللامعقول" وهما مفهومان فلسفيان تناولهما الفلاسفة ولازالوا منذ نشأة الفلسفة إلى الآن، منذ سقراط وأفلاطون وأريسطو...إلى ديكارت وكانط وسبينوزا والفارابي وابن سينا وهايدكر وألبير كامو وغيرهم...
تأتي كلمة "حجر" عتبة للنص، وهي مبتدأ لخبر محذوف تقديره ما سيأتي في النص.
يستهل الشاعر قصيدته"حجر" بسؤال وجودي:
"أأكون للشجر
ظلاًّ
أو تكون ظلالي
شجر؟!
إنه سؤال بعمق الحيرة والتعجب؟! فحيرة الشاعر هنا ليست بسبب ماذا يمكن أو ماذا يريد أن يكون؟ بل ماذا يجب أن يكون؟!..فالشاعر هنا يملك الإرادة والقدرة في أن يكون، لكن يجد نفسه أمام سؤال محير يتجلى في "اختيار" القيمة التي يجب أن يكون عليها كإنسان؟!..أي كيف يكون:"أأكون للشجر ظلاًّ...أو تكون ظلالي شجر؟!"..إن الشاعر هنا يقدم نفسه بشموخ يشبه شموخ الشجر في تواز تام مع قدرة الطبيعة..فهو قادر على أن يستظل الشجر بظلاله مثلما يستظل الإنسان بظلال الشجر!؟..لكن الإشكالية هنا هي إشكالية "اختيار"؟!..إنه سؤال ذو حمولة فلسفية وجودية عميقة للدلالة على أن الوجود الإنساني محفوف بالحيرة والسؤال منذ الأزل، ولعل ذلك هو سر كينونته!؟..إنه سؤال أتى في حلة بلاغية بديعة تتأرجح بين الحقيقة والمجاز، بين المعقول واللامعقول، وذلك يعتبر ميزة من مميزات الشعر وجمالية من جمالياته.
بعد حرقة السؤال في المقطع الأول، ينتقل الشاعر إلى أسلوب الطلب عبر فعل في صيغة أمر(احفري):
"احفري
احفري عميقا
يا أغرودة الليل
في قلبي
يا قمر".
في هذا المقطع يخاطب الشاعر القمر معتبرا إياه "أغرودة الليل"، موظفا أسلوب الأمر والنداء والتكرار(احفري،احفري) ويدعوه(ها) إلى الحفر وإلى المزيد من الحفر في قلبه حتى الأعماق، وكأن "أغرودة الليل" هته هي تلك الأغنية التي تخترق شرايين القلب الذي يعاني سقما وتنعشه مثلما يخترق نور القمر خيوط الليل ويملأ الأرجاء ضياءً.
يعود الشاعر طرح السؤال مرة ثانية في المقطع الثالث من النص حيث يقول:
"إلى متى هذا التوهان
من الأضواء
إلى الأنواء
إلى الأضواء
ولا مستقر.."
وهو سؤال وجودي كذلك يعكس الحالة النفسية والفكرية للشاعر التي تشبه صورة "القمر" وهو يتأرجح ليلا بين الأنواء، بين الومضات والإختفاء بلا استقرار للدلالة على أن كينونة الإنسان دائمة التوهان في وجود دائم القلق!؟..عبر الشاعر عن كل ذلك بلغة تصويرية لعناصر الطبيعة وبمفردات تجمع بين الجناس والإيقاع التركيبي الجميل.
يعود الشاعر طرح السؤال مرة ثانية في المقطع الثالث من النص حيث يقول:
"إلى متى هذا التوهان
من الأضواء
إلى الأنواء
إلى الأضواء
ولا مستقر.."
وهو سؤال وجودي كذلك يعكس الحالة النفسية والفكرية للشاعر التي تشبه صورة "القمر" وهو يتأرجح ليلا بين الأنواء، بين الومضات والإختفاء بلا استقرار للدلالة على أن كينونة الإنسان دائمة التوهان في وجود دائم القلق!؟..عبر الشاعر عن كل ذلك بلغة تصويرية لعناصر الطبيعة وبمفردات تجمع بين الجناس والإيقاع التركيبي الجميل.
يستمر الشاعر في طرح السؤال في المقطع الرابع، ولكن بشحنة أكثر قلقا وحيرة إلى حد الإحساس باليأس واللاجدوى حيث يقول:
"إلى متى؟!
وأظل أحفر
وأحفر في حجر"
إن فعل "حفر" هنا، وإذا ما نظرنا إليه من خلال سياقه الخاص(سياق مقطعه) أو من خلال سياقه العام(سياق النص) نستشف أن الشاعر سَئِمَ من قَدَرٍ يشبه قَدَرَ "سيزيف" في حمل الصخرة من أسفل إلى أعلى وحملها مرة ومرات بعد أن تعود إلى أسفل بجهد عبثي لا جدوى منه!؟ ولعل الفرق هنا هو عبث الحفر في الحجر بدل عبث حمل الصخر!
ويأتي المقطع الأخير امتدادا للمقطع الرابع الذي قبله حيث يقول الشاعر:
"وأكلمُهُ
ولا يكلمني
أيكون قلبي حجر؟!
سيكون على قلبي
حجر
حجر
حجر.."
الشاعر هنا لا يعاني قدر الحفر في الحجر فقط، بل يحفر فيه ويكلمه ويحاوره، لكنه حوار من طرف واحد..إنه حوار بين إنسان وجماد.. بين شاعر دائم السؤال وحجر أصم على الإطلاق!؟
والملاحظ هنا أن الشاعر لم يفصح لنا عن فحوى حواره الأحادي الجانب مع الحجر؟!..ربما لأن الأمر يستدعي بالضرورة استجابة الحجر للبوح والتشارك في محاورة ذات بعد وجودي مع الشاعر!؟..لكنه يتسائل(أيكون قلبي حجر؟!) مشيرا ربما إلى أن قلبه صار مثل الحجر في الصلابة و فقد الإحساس مما ينبئ بمصير حتمي يكون فيه الشاعر وقلبه وسؤاله تحت الحجر الكثيف(جحر..حجر..حجر!؟)
جاء النص كثيف المعجم والمعنى..سليم اللغة..ماتع البلاغةمن بيان ومجاز..غني الاسلوب من نداء واستفهام وتكرار وجناس. نص عميق الدلالة بشعرية وشاعرية ماتعتين وبإيقاع تركيبي جميل.
انتهى.
ـــ بقلم المسرحي والناقد لحجاب ابو جمال ــــ المغرب
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل