الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مئوية فرانتز فانون في فلسطين

محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)

2026 / 1 / 22
القضية الفلسطينية


مضى نحو أسبوع على محاضرة الباحث الفلسطيني "خالد عودة الله" ضمن هذه الفعالية، ومع ذلك مازلت أستعيدها. وفي كل استماع جديد يتكشف -لي- ما يستحق التفكير أو "الاشتباك" معه، قبولاً أو مساءلة، وهو ما أراه الغاية الأعمق لأي محاضرة رصينة: أن تشرع باب النقاش، وتبتعد عن إغلاقه بإجابات جاهزة.
في هذه العجالة، لن أتوقف عند مواضع النقد، وهي كثيرة على كل حال، بل سأعرض المحاضرة كما جاءت على لسان صاحبها، تاركاً القضايا الأخرى لفرصة قادمة إن سنح الوقت.
عنوان المحاضرة "عذابات استعماريّة: في آثار العنف الثوري الفلسطيني على المستعمِر الصهيوني"
يناقش المحاضر العنف الثوري الفلسطيني بوصفه رداً تاريخياً على استعمار استيطاني إحلالي، رابطاً بين عنف المشروع الاستعماري والاستجابة الثورية له. في هذا الإطار، يُنظر إلى "الصهيونية" كمشروع يستمد شرعيته ومبرراته من منظومات إيديولوجية غربية عنصرية، ويسعى إلى إعادة إنتاج نفسه بالقوة على حساب الشعب الفلسطيني، عبر التشريد، والاقتلاع والاضطهاد والهُوية، وإعادة تشكيل التاريخ بما يخدم مشروع استيطاني دائم.
تنطلق المحاضرة من فرضية أساسية مفادها أن ما يجري على أرض فلسطين لا يمكن اختزاله في نزاع تقليدي بين دولتين، أو هو بالأحرى ليس كذلك بتاتاً وإنما يجب فهمه بوصفه صراعاً داخل بنية كولونيالية متكاملة. فالاستعمار هنا لا يتوقف عند احتلال الأرض، بل يمتد إلى السيطرة على الوعي والتاريخ والذاكرة، بحيث يصبح العنف الثوري أداة دفاعية داخل صراع يستهدف محو الآخر وتغييب وجوده.
يعيد خالد عودة الله قراءة تأثير هذا العنف على "المستعمِر الصهيوني" عبر ثلاثة محاور رئيسة:
1.تفكيك الرواية الاستعمارية: حيث يعاد النظر في توصيف العنف الفلسطيني، فهو في نهاية المطاف ليس "عنف منفلت أو غير مبرر"، لكنه نتيجة منطقية -كما يطرح المحاضر- لسياسات الفصل العنصري والطرد والمحو، أي بوصفه جزءً من تناقضات الاستعمار الإحلالي ذاته.
2.كشف هشاشة مشروع الاستعمار: إذ يرى المحاضر أن العنف الثوري يعري تناقضات جوهرية داخلية في المشروع الصهيوني الاستعماري؛ ويكشف عجزه عن الاستمرار دون إنتاج مقاومة تعيد توجيه السرد السياسي وتكسر ادعاء الهيمنة المطلقة.
3.إعادة تأويل التاريخ والهُوية: فلا ينظر إلى العنف كحدث معزول، بل كحلقة في سياق طويل من المواجهة بين مشروع يسعى إلى استئصال الوجود الفلسطيني، ومقاومة تحاول استعادة الحق والعودة والكرامة.
بهذا المعنى، يتغير مفهوم "العنف" من كونه سلوكاً غير مشروع أو طارئاً، إلى أداة تاريخية داخل صراع بنيوي طويل. وهذا ما يجعل المحاضرة أقرب إلى قراءة نظرية نقدية للاستعمار في امتداداته المعاصرة، حيث لا تكون القضية مجرد أرض، بل وجوداً وكرامةً وتاريخاً في مواجهة إيديولوجيا استعمارية متجذرة.
ثمة نقطة لافتة لا يمكن تجاوزها في هذه المناسبة، تتعلق بأسئلة الحضور. فقد بدت كأنها "الامتحان العملي" لأطروحات المحاضر. فهي لم تأت بصيغ استيضاحية، بل أتت كمداخلات اشتباك وتفكيك. عكست وعياً نقدياً يرفض تبقي الخطاب بوصفه مسلمات أو وعظ، بل مارس "العنفوان" النقدي (الذي تحدث عنه المحاضر) إزاء المحاضرة ذاتها.
وإذا كانت المحاضرة قد حلقت في فضاء التنظير السوسيولوجي والتحليل النفسي، فإن أسئلة الحضور كانت "الجاذبية الأرضية" التي أعادت النقاش إلى الواقع: ففي الوقت الذي شدد فيه المحاضر على "العذابات" التي تلحقها المقاومة بالمستعمِر، نبهت المداخلات إلى خطورة اختزال الفلسطيني بصورة الضحية أو تعليق تعريف الذات الفلسطينية على مقولات "فانون" أو غيره ليخبرنا "من نحن!".
لقد حولت الأسئلة الجلسة من عرض نظري إلى تفكير جمعي بصوت عالٍ في المأزق الفلسطيني.

كان الجمهور، في هذا المعنى، نداً حقيقياً للمحاضر وهو ما يعكس حيوية المشهد الثقافي في تلك الدائرة، وقدرته على تحويل المعرفة من تلقٍ سلبي إلى ممارسة نقدية حية.
رابط المحاضرة https://www.youtube.com/watch?v=hR2p-wzWBoo








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مستقبل الانسحاب الإسرائيلي وعلاقته بأداء الجيش اللبناني المي


.. تصعيد أمريكي جديد ضد إيران لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات




.. العاشرة | لحظة الاختيار.. رئيس لبنان يوجه رسالة للمواطنين


.. العالم الليلة | العراق يعتقل مسؤولين جدد في قضايا فساد




.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية