الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
إكرام فكري
2026 / 1 / 22سيرة ذاتية
أحيانًا، يبدو أن الحياة ليست إلا تسلسلًا من اللقاءات العابرة، تترك في النفس أثرًا لا يُرى، لكنه يلتهم شيئًا من الداخل.
لا أتحدث هنا عن “الأشخاص” بمعنى أسماء تُذكر، بل عن الطوائف البشرية التي تتكرر في مساراتنا، وتُجبرنا على إعادة سؤال أنفسنا: من أنا؟ ولماذا لا أشبههم؟
في هذا العالم، هناك من يملأ الفراغ بالكلام، كأن الكلام دواء أو تعويذة.
يتحدثون بسرعة، ويشعرون بالارتياح عندما يملأون المكان بصوتهم، وكأن الهدوء جرمٌ ينبغي أن يُعاقب.
هم لا يتحدثون لأن لديهم شيئًا ليُقال، بل لأنهم يخافون من أن يسمعوا أنفسهم، فيصطدمون بفراغ لا يطاق،فأنا أيضا حين يضغط عليّ الواقع أو يثقلني الحزن، أجد نفسي أتكلم كثيرًا، ليس لأنني أملك أجوبة، بل لأن الكلام يملأ فراغًا داخليًا لا أطيق صمته.
الثرثرة ليست تواصلًا، بل هروب من الذات و الواقع أحيانا .
وهذا الخوف من الفراغ لا يظهر فقط في الثرثرة.
بل يتخذ وجوهًا أخرى، أكثر دهاءً، وأكثر خطورة على الحقيقة.
فبعض الناس لا يملؤون الفراغ بالكلام، بل بــ الواجهة.
الواجهة قد تكون تدينًا أو أخلاقًا أو صورة عائلية، تُستعمل لتجميل الشخص، وكأنها قناع يُظهر “أفضل نسخة” منه.
لكن وراء هذا القناع، قد يكون هناك فراغ أو ضعف أو رغبة في إثبات الأفضلية.
أحيانًا تكون الواجهة بوجهين:
تدّعي الورع، وتستثمره كأنّه بطاقة مرور إلى “الاحترام”،
ثم يتضح أن الورع ليس قيمة، بل مجرد أداة لشد الانتباه، أو لإخفاء عيوبٍ لا تُحتمل.
ومنهم من يختار واجهة أخرى:
واجهة “الجدية والجهد”، بينما الحقيقة هي الكسل والتذمر.
يُظهر اجتهادًا في الكلام، لكن ليس في الفعل.
يُعلن عن مسؤولية، لكنه يتهرب منها عندما تُطلب منه.
يحب أن يبدو “مجتهدًا” بينما الواقع يكشف أن جهده لا يتجاوز الحديث عنه.
إنه يزرع صورة “المؤسسة” في رأسه، ويعيش عليها، بينما الواقع ينهار بهدوء.
وهكذا، وجدت أن كل هذه الوجوه المختلفة تشترك في شيء واحد:
الخوف من الحقيقة، والرغبة في أن يكون “الانطباع” أقوى من “الحقيقة”.
وهكذا، وسط هؤلاء، وجدت نفسي أُحاصر بين حاجتي للهدوء ورغبة الآخرين في ملء كل مساحة.
أحسست أنني لا أنتمي إلى بيئة تتغذى على الازدواجية، ولا إلى عالم يفضل الواجهة على الجوهر.
أدركت أنني أمتلك حساسية لا تُرى في العيون، وأنني أحتاج إلى مكان لا يُجبرني على التظاهر، ولا يطلب مني أن أضحّي بصمتي لأجل ضجيجهم.
أستنتجت أنني لا أُشبههم لأنني لا أؤمن بالاختباء.
لا أؤمن بالحديث كي أبدو.
لا أؤمن بالتظاهر كي أُقبل.
لا أؤمن بأنني بحاجة لأن أكون “كثيرًا” لأثبت وجودي.
أنا أريد شيئًا أبسط من ذلك:
أريد أن أكون حقيقية.
وهذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بالاستنزاف.
وبعد كل ذلك، أدركت أن رسالتي ليست أن أُصلحهم، ولا أن أُغيرهم.
رسالتي هي أن أُحمي نفسي، وأن أبحث عن الأفضل، ليس من أجل أن أكون “أعلى” منهم، بل من أجل أن أعيش و أنا حقيقية.
ربما لن يكون الطريق سهلاً.
ربما سأحتاج إلى أن أبدأ من جديد.
لكنني أدركت أن البقاء في مكان لا يناسبني هو استنزاف بطيء، مثل ماء يتسرب من كوبٍ بلا توقف.
وأنا لا أريد أن أكون كوبًا يتسرب.
أريد أن أكون وعاءً يحفظ ما في داخله، ويحميه من أي شيء لا يستحقه.
لذلك، سأبحث عن الأفضل.
ليس لأنني أستحق الأفضل فحسب، بل لأنني لا أستطيع العيش في أقل من الحقيقة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية للجزيرة: استهدفنا مو
.. أمريكا تصعد ضد إيران.. هل تنجح الضربات أم المفاوضات؟
.. خبير عسكري واستراتيجي: طهران بدأت تفقد قدرتها على إدارة وكلا
.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا
.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال