الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كأس إفريقيا 2025 بطعم البلطجة

خالد خالص

2026 / 1 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لم يكن من المفترض أن تختتم كأس إفريقيا للأمم 2025 بالعنف، ولا أن تتحول بطولة قارية يفترض أن تجسد القيم الرياضية والإنسانية إلى مسرح لانتهاكات جسيمة تمس السلامة الجسدية للأشخاص، والأمن العام، والنظام الرياضي. غير أن ما وقع حول إنجازا تنظيميا مغربيا غير مسبوق إلى مأساة قانونية وأخلاقية ستظل نقطة سوداء في تاريخ كرة القدم الإفريقية.
منذ إسناد تنظيم كأس إفريقيا 2025 إلى المغرب، دخلت الدولة في تعبئة شاملة، شملت تجهيزات بمعايير دولية، بنية تحتية متطورة، منظومة نقل حديثة، تعبئة صحية وأمنية، وتنظيما محكما، إضافة إلى آلاف المتطوعين الذين اشتغلوا بروح المسؤولية والخدمة العامة.
لم يكن ذلك مجرد تنظيم رياضي، بل التزام دولة تجاه قارة كاملة.
غير أن هذا النجاح ووجه منذ البداية بحملة تشكيك ممنهجة، تجاوزت النقد الرياضي المشروع إلى التشويه المتعمد والتحريض غير المباشر. ومع تقدم المباريات ونجاحات المنتخب المغربي، تحولت تلك الحملة إلى خطاب كراهية منظم، قائم على الاتهام المجاني والتشكيك في النزاهة التحكيمية، والتشويش الإعلامي، وبناء سردية مسبقة لرفض أي نتيجة لا تخدم طرفا بعينه.
هذا المناخ لم يكن بريئا، بل شكل بيئة نفسية مشحونة، مهدت قانونيا وواقعيا للانفجار.
بلغ المنتخب المغربي النهائي عن جدارة.
وفي لحظة حاسمة، أعلن الحكم ضربة جزاء لصالح المغرب في الدقائق الأخيرة.
عندها خرجت المباراة نهائيا من إطارها الرياضي، ودخلت في نطاق الانفلات الجماعي غير المنضبط.
غادر الفريق السنغالي أرضية الملعب بأمر من الطاقم التقني، في سلوك يشكل خرقا صريحا لقواعد المنافسة الرياضية، وخرقا لمبدأ احترام قرارات التحكيم، ويمثل نموذجا لسلوك احتجاجي غير مشروع داخل المنافسات الرسمية.
تبع ذلك انفجار غير مسبوق لأعمال الشغب:
تخريب ممنهج للمدرجات، تكسير ممتلكات عمومية، اعتداءات جسدية على متطوعين ورجال أمن، وتحول الملعب إلى فضاء فوضوي خرج فيه جزء من المشجعين السنغاليين عن السيطرة العقلية والسلوكية، في مشاهد أقرب إلى انهيار جماعي للضبط النفسي والسلوكي منه إلى تعبير رياضي.
هذا السلوك لا يندرج ضمن "التعصب الرياضي"، بل يدخل قانونيًا
في إطار:
.البلطجة
• العنف الجماعي
• الإخلال الخطير بالأمن العام
• الاعتداء على أشخاص محميين قانونا (متطوعين، أعوان أمن، مدنيين)
• التخريب العمدي للممتلكات
وهي أفعال مجرمة في جميع التشريعات الوطنية، ومدانة في القوانين الرياضية الدولية.
الأخطر أن الانفلات لم يتوقف عند أسوار الملعب.
بل امتد إلى خارج الفضاء الرياضي، حيث تعرضت ممتلكات مغاربة داخل السنغال للتخريب، واستهدفت محلات وتجارات، وتعرض مواطنون للترويع والاعتداء، في أفعال تمثل انتهاكا صارخا لمبدأ حماية الأجانب، وللقانون الدولي للأمن المجتمعي، ولمبدأ المسؤولية الجماعية للدولة في حماية الأفراد.
وهنا نخرج نهائيا من منطق "شغب الملاعب"، وندخل في نطاق العنف العابر للحدود الرياضية، بما يحمله من دلالات خطيرة على مستوى السلم الاجتماعي والعلاقات بين الشعوب.
وسط هذا الانفلات، سقط متطوعون مغاربة جرحى، كانوا يؤدون واجبهم في خدمة بطولة قارية، لا علاقة لهم بالنتيجة، ولا بالتحكيم، ولا بالصراع الرياضي.
سقطوا لأنهم كانوا في المكان الخطأ لحظة انفجار العنف الأعمى.
وهنا تتحول المسؤولية من مجرد أحداث عرضية إلى مسؤولية أخلاقية وقانونية جماعية.
ما وقع ليس حادثا عرضيا.
بل نتيجة مباشرة لتحريض مسبق، وتراكم تعبئة عدائية، وانفلات جماهيري غير مضبوط، وفشل في ضبط السلوك الجمعي.
فاز المنتخب السنغالي بالكأس، والنتيجة الرياضية مسجلة مع الكثير من التحفظ.
لكن هذه الكأس ستبقى في الذاكرة الإفريقية مرتبطة بالعنف، بالفوضى، وبصور المتطوعين المصابين، وبانهيار القيم الرياضية.
لا قيمة لأي تتويج يتحقق فوق أجساد المصابين، ولا شرعية أخلاقية لانتصار يولد من رحم الفوضى.
المغرب لم يخسر.
لم يخسر تنظيمه، ولا كرامته، ولا أخلاقه المؤسساتية.
بل قدم نموذج دولة تحترم الرياضة، تضبط النفس، وتحمي البطولة حتى في أقسى لحظات الاستفزاز.
لكن الصمت لم يعد مقبولا.
قانونيا وأخلاقيا، يجب:
• تسمية الأشياء بأسمائها
• إدانة العنف دون تبرير
• تحميل المسؤوليات
• حماية المتطوعين
• تجريم خطاب التحريض
• وتوثيق الذاكرة الحقوقية لهذه الأحداث
فازت السنغال بكأس إفريقيا 2025، نعم.
الا أن كأس 2025 كأس بلا روح وستظل مرتبطة بالعنف الجماعي، وبانفلات جماهيري سنيغالي غير مسبوق.
ورغم ما طبع المقابلة النهائية من أحداث مؤسفة خرجت عن الإطار الرياضي، يبقى من الضروري التأكيد للمغاربة على أن هذه الوقائع، على خطورتها، لا ينبغي أن تلقي بظلالها على علاقات المغرب مع باقي الدول الإفريقية، ولا أن تمس بروح الأخوة والتعاون التي تجمع بين شعوب القارة. فالمغرب، وإن كنا نعبر عن أسفنا العميق لما وقع، سنظل مؤمنين بأن الرياضة يجب أن تبقى جسرا للتقارب لا سببا للتباعد، وأن معالجة مثل هذه الأحداث تقتضي الحكمة، وضبط النفس، والاحتكام إلى الآليات القانونية والمؤسساتية المختصة، بعيدا عن أي تعميم أو توظيف قد يسيء إلى مسار التعاون الإفريقي المشترك، وحتى لا نقع في فخاخ خطابات التحريض والاصطفاف والعنصرية، التي لا تخدم إلا من جعل من المغرب عقدة دائمة في وعيه وممارساته.
وهنيئا للمغرب، لا فقط بنجاحه الباهر في تنظيم كأس الأمم الإفريقية لسنة 2025، وما عكسه من قدرة عالية على التنظيم، والالتزام، وحسن الاستقبال، بل أيضا بفوزه بهذه الكأس أخلاقيا وقيميا، حين انتصر للعقل، وضبط النفس، وروح المسؤولية، وقدم للقارة الإفريقية درسا بليغا في أن الرياضة، قبل الألقاب، هي أخلاق ورسالة ووحدة مصير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا


.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي




.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم


.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر




.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس