الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
محمد وهاب عبود
2026 / 1 / 22مواضيع وابحاث سياسية
بينما كنت أطالع صفحات الفيس بوك عبر هاتفي، استوقفني مقطع فيديو لعالم آثار غربي كان يتحدث عن السومريين بنبرة تشبه الخشوع، قائلاً: "هؤلاء القوم لم يبنوا حضارتهم بالحجارة فقط، بل بنوها بالبحث والتقصي. مخطوطاتهم كانت أوامر تحث الفرد على القراءة والتعلم واكتشاف المجهول"، فالعراقيون أحفاد أولئك الذين جعلوا من المعرفة والعلم نبراسا لهم.
وبعد فترة وجيزة اصطدمت بخبر عاجل قفز إلى الشاشة من واقعنا العراقي المرير، خبر كان بمثابة صفعة أيقظتني من حلم التاريخ. إنه المجلس الوزاري للاقتصاد، في "أرض السومريين" ذاتها، يُصدر فرماناته لا لتمجيد العلم كما فعل الأجداد، بل لتضييق الخناق على حملة الشهادات العليا والنخب الأكاديمية. هي قرارات بقطع المخصصات، وكأن لسان حال السلطة يقول "إن عقلك عبءٌ على خزينتنا".
بعد خمسة آلاف عام من اختراع الكتابة، تأتي حكومة في نفس البقعة الجغرافية لتعاقب من يحمل القلم، فعندما نلقي نظرة فاحصة على جسد الموازنة العراقية، نجده جسداً مشوهاً، رأس متضخم يتمثل في الرئاسات الثلاث وميزانياتها الانفجارية، وذراعان مفتولتان بالعضلات تتمثلان في وزارتي الدفاع والداخلية، بينما القلب الذي هو التعليم والصحة يضمر حتى يكاد يتوقف عن النبض.
هل يُعقل أن يتحول وطن بأكمله إلى ثكنة عسكرية ومقهى سياسي؟ الدولة ليست مجرد جنود يحرسون الحدود، ولا ساسة يرسمون مصيرنا خلف الجدران العازلة، الدولة هي المختبر الذي يبتكر والمدرسة التي تربي والجامعة التي تنوّر والملعب الذي يهذب النفوس. يقول فيكتور هيجو: "من يفتح باب مدرسة، يغلق باب سجن"، ولكن يبدو أن فلسفة موازنتنا تسير بالاتجاه المعاكس، إغلاق أبواب المدارس لفتح مزيد من أبواب العوز والجهل.
وبينما كان المعلمون والأكاديميون، يمنون النفس بقرارات تنتشلهم من واقعهم الصعب، يحلمون بسقف يؤويهم وعوائلهم من غول الإيجارات، فإذا بالمجلس الوزاري يباغتهم بقرارات تعمق الجراح بدلاً من أن تضمدها. فبدلاً من السكن، جاءهم القطع، وبدلاً من التكريم جاءتهم الفواتير والرسوم.
إن أي أمة تحترم نفسها تدرك أن الاستثمار في العقل هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر. أما ما يحدث اليوم من استهداف للحلقات العلمية والتربوية عند كل أزمة مالية، فهو انتحار بطيء وإعلان صريح بأننا لا نريد سومر جديدة، بل نريد قطيعاً بلا ذاكرة. فإلى متى ستظل مؤسساتنا التعليمية هي الحيطان المائلة التي يقفز عليها كل عجز اقتصادي؟
ليت العالم الغربي لم يقرأ لنا تلك الألواح، ليتنا بقينا نجهل عظمة السومريين، لكان وقع خيبتنا في حاضرنا أخف وطأة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟
.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟