الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-الناسخ والمُنسوخ- و التراجع عن الاتفاقيات... كيف يستخدم الجولاني منهجية التدرج الإسلامي لتبرير خيانة الكورد؟.
هشام عقراوي
2026 / 1 / 22مواضيع وابحاث سياسية
في قلب الصراع الدائر في غربي كوردستان، لا يكتفي الإرهابي أبو محمد الجولاني بارتكاب المجازر ضد المدنيين الكورد، بل يعمد إلى تكتيكٍ إيديولوجي خطير لشرعنة نقضه للعهود وتمزيقه للاتفاقيات: إنه يُطبّق، بشكل صريح، مبدأ "النَّسخ" الذي ورد في بعض القراءات التقليدية للتشريع الإسلامي — حيث تُلغى آية أو حكم سابق بآية أو حكم لاحق، بحسب تغير الظروف السياسية والقوة العسكرية.
الإسلام المبكر: التدرج في التشريع
في بدايات الدعوة الإسلامية، حين كان المسلمون ضعفاء ومُحاصَرين، نزلت آيات تدعو إلى التعايش والتسامح. ففي سورة الكافرون قال الله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، وفي سورة النساء: «وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا» — دون إكراه أو قسر.
وبخصوص الخمر، لم يُحرَّم فورًا، بل جاء التدرج: أولاً «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ» (النساء: 43)، ثم بعد أن استقرت الدولة الإسلامية وقويت شوكتها، نزل التحريم الصريح: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ... إِثْمٌ كَبِيرٌ» (المائدة: 90).
هذا التدرّج كان استراتيجية بقاء في مرحلة الضعف، لا مبدأً أخلاقيًّا ثابتًا. لكنه، مع الأسف، أصبح نموذجًا يُستغل اليوم من قبل جماعات متطرفة لتبرير النكث بالعهود متى ما تغيّرت موازين القوى.
الجولاني و"فقه النسخ السياسي"
الجولاني يتبع نفس المنطق — ليس بدافع الإيمان، بل بدافع البراغماتية الإرهابية.
عندما كان ضعيفًا، ومعزولًا دوليًّا، وتحت ضغط عسكري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقّع في 10 آذار/مارس 2024 اتفاقية تعترف — ولو شكليًّا — بوجود الكورد، وتتعهد بتشكيل ثلاث فرق عسكرية مشتركة، وضمان حقوقهم في الإدارة المحلية.
لكن ما إن بدأت قواته تستعيد قوتها، وانسحب الكورد من غربي الفرات تنفيذًا للاتفاق، حتى "نسَخ" الجولاني الاتفاق الأول، وأصدر اتفاقًا جديدًا يُلغي كل ما سبق. ثم طالب الكورد بالانسحاب من الرقة ودير الزور. وبعد أن تم ذلك، حصر وجودهم في الحسكة والقامشلي وكوباني.
واليوم، وهو يقترب من السيطرة الكاملة على الشمال السوري، يبدأ بإطلاق تصريحات تُنكر وجود الكورد كشعب، ويصف مدنهم بأنها "عربية خالصة" — تمامًا كما فعل والده،الذي أنكر حتى وجود كلمة "كورد" في التاريخ السوري.
منطق القوة، لا منطق العهد
هنا تكمن المأساة: الجولاني لا يرى في الاتفاقيات سوى وثائق مؤقتة، قابلة للإلغاء متى ما تغيّر ميزان القوة.
مثله مثل تلك القراءات السلفية التي تجعل "النسخ" مبدأً سياسياً:
في الضعف: تعايش، اعتراف، تفاوض.
في القوة: إلغاء، إنكار، تطهير عرقي.
لكن الكورد ليسوا نصًّا يمكن نسخه!
هم شعبٌ حيّ، له جذوره، ولغته، وتاريخه، ودمه الذي سُفِكَ دفاعًا عن الأرض. ولا يمكن لأي "آية" سياسية جديدة أن تمحو وجودهم، مهما تغطرس الجولاني أو تآمر عليه حلفاؤه.
رسالة إلى الكورد: لا تثقوا بالوعود في زمن الضعف!
الدرس الأهم هنا هو: لا تبنِ مستقبلك على اتفاقٍ وقّعه عدوٌّ وهو في حالة ضعف.
الجولاني، ككل الأنظمة التي احتلت كوردستان، لا يعترف بالحقوق إلا تحت الإكراه. وما أن يتحرر من هذا الإكراه، حتى يعود إلى جوهره: القومية العربية المتطرفة، والعداء للهوية الكوردية.
لذا، على الكورد أن يتعلموا من هذه اللعبة الخطيرة.
العهود مع من يؤمن بمنطق "الناسخ والمُنسوخ" ليست عهودًا، بل فخاخًا مؤقتة.
والحل ليس في توقيع المزيد من الاتفاقيات مع من لا يحترم العهد، بل في بناء قوة ذاتية لا تُقهَر — عسكرية، سياسية، ودبلوماسية — تجعل من وجود الكورد في سوريا حقيقة لا يمكن نسخها.
الجولاني قد ينسخ الاتفاقيات،
لكن التاريخ لن ينسخ الكورد.
فشعبٌ صمد أمام الشاه، وصدام، وأردوغان، وداعش…
لن يُمسح بتوقيعٍ على ورقةٍ من إرهابيٍّ يلبس عباءة الدين ليغطي عُقدته القومية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غزة: المغرب يوقع اتفاقية للانضمام لقوة الاستقرار الدولية.. ف
.. التصعيد في الأبيض يثير المخاوف.. إلى أين تتجه الحرب في السود
.. الصحة الإيرانية: 38 قتيلا وأكثر من 400 جريح في الهجمات الأمر
.. محلل سياسي: السلوك الإيراني جعل الوسطاء أقل حماسة
.. تركيز أمريكي على استهداف مناطق ذات بعد استراتيجي.. ما السبب؟