الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مختارات من الشعر الأرمني القديم لخاتشادور جيتشاريتسي
عطا درغام
(Atta Dorgham)
2026 / 1 / 23
الادب والفن
خاتشادور جيتشاريتسي
(1260- 1231)
إنسان توج حياته بالحكمة، شاعر لا يبخل بحكمته علي الإنسان
كان راهبًا في دير"جيتشاريس" في منطقة تسمي الآن" دزاغجاتسور" في أرمينيا. هذا الدير كان معروفًا في القرون الوسطي كمركز تثقيفي، وربما كان جيتشاريتسي كبير المعلمين هناك..كان محبًا للأساطير والميثولوجيا القديمة. ملمًا بالثقافة والتاريخ الهليني. اقتبس وأضاف إلي تاريخ ألكساندر ( الإسكندر الأكبر ) لكاليسطنيس الزائف. كتب له مقدمة وخاتمة، وأيضًا"قافيات" لبعض أجزاء القصةن باللغة العامية وبتعبير سهل. عاش الشاعر في زمن هجمات المغول. فكان يحلم بقائد يقود أرمينيا إلي الاستقلال وكان الإسكندر الاكبر لا يزال في ذاكرة الشعوب كفاتح ذو قدرات خارقة، ويشير الشاعر في مقدمته إلي أن تلك القصة"مثال يحتذي به لكل الأمراء والملوك" ، لانه يري في الإسكندر الاكبر فضائل كثيرة من عدل وعلم وجسارة. ويسعي الشاعر ان يوفق هذا البطل الوثني مع المسيحية ؛ فيرسم تشابهات بين شخصيتي الإسكندر والمسيح.وقد نظم الشعر بعدد من الأشكال:"ڤوغپ" و"داغ " و"كانتس"..يكتب بلغة تختلط فيها تعبيرات من "الكراپار" باللغة العامية بدرجات تتفاوت من قصيدة إلي أخري...وفي خاتشادور جيتشاريتسي نجد الشاعر الإنسان الذي مر بتجارب كثيرة، تلقي الأذي من الآخرين أحيانًا وكان هو المؤذي للآخرين أحينًا أخري، ويستخلص من تجربة حياته حكمة يوجهها إلي نفسه، كما في قصيدة"جئت من عناصر الأرض الأربعة" وإلي الآخرين كما في قصيدة " نصيحة روحية"
...............
نماذج من شعره
جئت من عناصر الأرض الأربعة
تشكلت من عناصر الأرض الأربعة
أنا الإنسان خلقت من تراب
وأمضيت حياتي في الظلام
وبكيت طويلًا ونصحت كثيرًا
أشعلتُ النترَ في كثيرين
وأحرقتني نارُ الكثيرين
واعتللت، حتي لم اجد
لآلامي شفاءً
كنت روحًا نورانية
وأسقطت نفسي في الظلمات
كنت مرغوبًا من الكثيرين
ثم انسقت إلي موقف يُرثي له
كنت ينبوعًا حلوًا عذبًا
ثم ألقيت بروحي في أوحال الآثام
كنت نجمًا يسطع في السماء
واخترت أن أبقي في ظلمات لا تنقشع أبدًا
يا خاتشادور، أفق من نومك
لقد حان وقت الندم
إن هذه الحياة جليدٌ
متي يجئه الربيع يذب
الحياةُ حلمٌ باهظ الثمن
تأخذك لتحرقك بالنار
فاستغفر ربك
وأفق من نومك أيها البائس
قدر الإنسان أن يكون مكونًا من أربعة عناصر:)( النار، الهواء، الماء، التراب) تنسجم وتتعارض، تنتج عنها نزعات متضاربة تمزق وجدان الإنسان. هذه فكرة شائعة في القرون الوسطي ترجع إلي أيام الوثنية. والشاعر يقدم لنا حياته الضالة مستمدًا صوره تالشعرية من تلك العناصر، فمثلًا يقارن نفسه ب" ينبوع العذب"( عنصر المياه) عندما كان طاهرًان ثم "ألقي بروحه في آثام الأوحال"( والوحل خليط المياه والتراب حيث التراب هو العنصر الطاغي في جسد الإنسان ويرمز إلي الرغبات الدنيوية). ولكن الإنسان أيضًا وعي يعرف به طبيعته، ويرتفع عنها بإرادته. والخوف من العقاب، أو من " الحرق بالنار"، هو الذي يفيق الإنسان من غيبوبته. وهذا العقاب عادل، فقد اعترف الشاعر لنفسه، هي تحذير لكل الناس؛ لان الشاعر كان قد ذكر أيضًا" وأحرقتني نار الكثيرين". وفي القصيدة صورة شعرية مدلولها عكس المألوف:" إن هذه الحياة جليد"، متي يجئه الربيع يذب". فالمدلول المألوف للربيع هو مولد الحياة من جديد. ولكن الشاعر يقيم صورة تدل علي نهاية الحياة. الشاعر يصدم قاريء القصيدة بهذه الصورة ليفيق هو أيضًا من غيبوبته
.......................
نصيحة روحية
يا إخوتي: هذي نصيحةٌ مني
لا تناموا طويلًا وأفيقوا
وظلوا يقظين
كم نحن قريبون من الموت
الحياة حلم
يستغرق المرءُ في نوم هنيء
وفي حلمه يعثر علي
كنوز لا حصر لها
ويطير قلبه من الفرح
يسعد بالكنز يحرص عليه
وهو واثق أشد الثقة
بانه سيصير أميرًا ذا قصر مثنيف
ثم يستيقظ من نومه
فيري أن الكنز كان وهمًا
وعندئذٍ تعتريه الخيبةُ
ويسحر كثيرًا من نفسه
وحين يجيء أمرُ الله
ويأتي ملكُ الموت لقبض روحه
ولا يُعطي حتي برهة
لرؤية أبنائه الأحبَّاء الصبوحين
تعتصر الحسرة عينيه
وهو يتوق لرؤية أحبَّائه
يبحث عن حيلةٍ
فلا يجدُ سبيلًا إلي الخلاص
عندئذٍ يتنهدُ قلبه
ينادي أمِّ اولاده
وحين ترثدُّ نداءه
يقولث لها وهو يغيبُ عن وعيه
"أنا نصفُ جسدك
وها أنذا أدخلث الترابُ
يا أطفالي ، انا والدكن
أمضي ولا أعود ثانية إلي الدار"
الىن أحسنوا لأنفسكم
اكرهوا الشر وابقوا دائمصا
مع الخير أينما ذهب
كي لا تكون النارُ نصيبكم
واجعلوا لأنفسكم سمعةً طيبة
فالموت في الحقيقة
أقربُ إلي ابن آدم
من طرفة عين
أي نصيحة لا تجدي إلا إذا كانت نابعة من تجربة عامة يمر بها كل إنسان، او إذا احس القاريء أنه قد يجد نفسه في موقف مماثل لتلك التي يقدمها الشاعر في قصيدته. الأولي هي الحلم الشائع والتي يكشف فيها الإنسان كنزًا" ثم يستيقظ من نومه فيري أن الكنز كان وهمًا". ولأن القاريء مثل كل الناس رأي ذلك الحلم، تصله رسالة الشاعر أن الحياة الدنيا، مهما تكن مباهجها وهم كبير، وأن الإنسان يجب أن يفكر في الحياة الأخري الخالدة. أما الثانية فهي موقف درامي مأسوي( يقدمها الشاعر بطريقة ميلودرامية مؤثرة)، عن رب العائلة يأتيه الموت فجأة فلا تعذبه فكرة الموت بقدر ما يعذبه فراقه المحتومة لأولاده وزوجته. والشاعر يجعل هذا الرجل التعس يقدم النصيحة إلي أطفاله، التي تكسب مصداقية فنية بسبب الموقف الدرامي. ولأن القاريء يري نفسه وقد أصابه ما أصاب ذلك الرجل التعس، يتقبل النصيحة وكأنما هو الذي يقدمها. والمثير للاهتمام يكون كلام الرجل هو الذي يمتد إلي نهاية القصيدة. وهذا الإبهام يجعل النصيحة موجههة إلي الأطفال والقراء في نفس الوقت. وهكذا فإن النصيحة" افعلوا الخير ، اجعلوا لأنفسكم سمعة طيبة..إلخ" مع أنها معروفة ومعادة تكتسب في القصيدة قوة إقناعية لا يمكن عارضتها..خاتشادور جيتشاريتسي هو شاعر يستخلص الحكمة من تجربة حياته، يقدمها في شعره من خلال صور شعرية وموقف إنساني
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لأول مرة في رمضان.. الفنان أحمد رمزي في مسلسل #فخر_الدلتا ور
.. دورة السودان في معهد العالم العربي: نافذة على الثورة والثقاف
.. أون سيت - أيتنن عامر: مسلسل كلهم بيحبوا مودي مسلسل كوميدي خف
.. انطلاق مهرجان برلين السينمائي بفيلم افتتاح يحمل نكهة سياسية
.. -يشبهون أطفالنا-.. فنان أمريكي بنيويورك يروي حكاية 18 ألف طف