الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كراهية التفكير وإزدراء المفكرين ....
فاتن ناظر
2026 / 1 / 23الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لقد حبانا الله بنعمة العقل التي شرفنا وخصّنا به على سائر المخلوقات . إلا أننا نجد الكثير من الناس لا يستخدمون تلك الهبة الإلهية ، بل إنهم يفضّلون الإذعان والسير مع قطيع العقل الجمعي .
لقد رفضوا استعمال ذلك العقل لأنهم يفضّلون نعيم الجهل على جهيم الوعي والإدراك . إلا أن ما يثير التعجب والاستهجان هو نظرتهم بدهشة إلى سلوك ذلك الفرد القويم السوي الصحيح ، وكأن لسان حالهم يفصح عما يجول بداخلهم ، وهو التساؤل كيف يتأتى ذلك ، وكأن الشر والجهل هو ما ينبغي أن يكون ويسود ، واستعمال العقل بمثابة استثناء.
إن سبب كراهية واستهجان أصحاب العقل الجمعي لمن لا ينتمون إليهم ، ذلك لأن اللامنتمين بتمسكهم بمبدأ العقل المتفرد والسير عكس المتّبع الخاطئ والحفاظ على مبتغى الحق والحقيقة ، إنما هذا يعد إدانة لهم وفضح لقلة عزيمتهم الرخوة وبيان لمدى جُرمهم في حق أنفسهم . إنهم يكرهون أن يروا مرآة أنفسهم الحقيقية بأعين اللامنتميين إليهم . وهذا على الرغم من جحودهم بالحقيقة رغم أنهم إستيقنوها بأنفسهم علواً وظلماً .
لذا .... فإن أصحاب العقل الجمعي يبدأون في تشكيل قوة هجومية تضامنية موحّدة ضد تلك القوة المتفردة من أجل تقويضها وهدمها وتدميرها . إعتقاداً منهم أنهم بذلك يدفعون عن أنفسهم خوف التغيير ، ويحافظون على ثبات الواقع ، فيرفضون تحريك المياة الراكدة ، ويزدرون تخليص وتنقية عقولهم من عفن الديماجوجية التيقنية المطلقة . وعندما يبوء مخططهم هذا بالفشل ، يبدأون في تغيير خطتهم الدفاعية ، ولكن بقوة أشد ضراوة وشراسة عن ذي قبل ، وهي تكوين حائط صلد منيع من العزلة والبعد والإنزواء ، يفرضونه بينهم وبين من يسمونهم أعدائهم المخالفين لنفس مسارهم .
إن هؤلاء أصحاب المسار الجمعي من يسيرون بإذعان وخضوع وإذلال ، نستطيع أن ننعتهم بكل ثقة بأنهم قد ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم يُحسنون صنعاً .
بالفعل .... لقد ضل هؤلاء ، فقد رفضوا العقل وارتضوا بمسار القطيع. فقد رفضوا أي محاولة لإخراجهم وإنقاذهم مما هم عليه من غفلة وتغييب ورضا بالجهل ، بل والتمتع بمن يفرضون عليهم سياسة التجهيل واعتناق عقيدة التفاهة والاستخفاف بالعقول حتى يكونوا نموذج طيّع ليّن طائع يسهل قيادته .
إن التاريخ الإنساني عامر وزاخر بالعديد من نماذج الحروب التي وجّهت ضد أصحاب الرأي والعقل الحر المستنير .
وأول تلك الأمثلة هو سقراط فقد حُكم عليه بالإعدام بتهمة إفساد عقول الشباب . ذلك الفيلسوف الذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، والذي حارب السوفسطائية التي أخضعت معيار ومقياس كل شئ للإنسان . ذلك الفيلسوف القائل أن الشر الحقيقي هو الجهل وأن العلم هو فضيلة الفضائل ، وأن السعادة تكمن في إعتناق الأخلاق القويمة.
وكذلك يذكر لنا التاريخ الفيلسوف سينيكا الرواقي الذي حوكم عليه بالانتحار . وذلك لإتهامه بتدبير مؤامرة ضد الإمبراطور نيرون ، وهو الذي تولى سينيكا مسئولية تربيته وتعليمه وتدريبه في الصغر ، والذي عمل في بلاطه مستشاراً له عندما تولى نيرون شئون البلاد .
وكذلك تعرضت الفيلسوفة هيباتيا إلى التمثيل بجثتها وسُلخ جلدها والزج بها في كومة من النيران من قِبل جيش الكنيسة . كل ذلك ليس عن اقتراف ذنب أو إثم ، وإنما دفعت حياتها نتيجة لخلاف سياسي بين الوالي والكنيسة . وما مقتلها سوى حسم لأمر ذلك الخلاف كي يُسهل على خصومها القضاء على معارضيهم .
ثم يسرد لنا التاريخ الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو الذي لعن معارضيه وقال قوله المأثور : " اللعنة على الجهل المقدس " . فقد أُُتهم بالهرطقة وحُكم عليه بالحرق من قِبل محاكم التفتيش الرومانية . وذلك لتأييده لنظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول نفسها التي كانت مُحرمة لدى الكنيسة آنذاك .
وإذا كان التاريخ قد رصد لنا أمثلة من الحقبة التاريخية القديمة أي ما قبل الميلاد ثم أبحرنا معه إلى العصر الروماني ، ومن ثم انتقلنا إلى العصور الوسطى ، فها نحن ذا أمام الحقبة الإسلامية التي ما خلت أيضاً من ظلام الوعي وأفول العقول ، وقد تجسد هذا الظلم والتغييب من خلال اضطهاد دولة المرابطين للفيلسوف ابن رشد ، الذي وصل الأمر بهم إلى الرأفة بحاله والإكتفاء فقط بالإحراق لكتبه ونفيه خارج البلاد .
تلك كانت نماذج على سبيل المثال وليس الحصر . فإن التاريخ الإنساني على مر العصور التالية مليئ بالأمثلة التي واجهت وناهضت من أجل فرض الوعي والفكر الحر المستنير ، مثل فرج فودة ونجيب محفوظ وسميرة موسى ومصطفى مشرفة ويحيى المشد وإدوارد سعيد ومالك بن نبي وعلي الوردي وغيرهم الكثير والكثير من الأمثلة الذين ضحوا بأنفسهم المضيئة النفيسة من أجل إعلاء وإحياء لراية ما يرونَه ثميناً دون روحَهم .
ويجدر القول أنه يبقى سؤالاً يفرض نفسه وهو على الرغم من قلة عدد أصحاب العقول المتفردة المستنيرة الواعية وكثرة الجهلاء والمغييبن ، إلا أن الفئة الثانية تخشى الفئة الأولى بل وتحاربها بكل ضراوة ، فما الذي يدعو إلى ذلك ؟؟؟ . نجد أن السبب يكمن في خوف ذوي أفول العقول من مجرد عقل واحد وحسب ، وذلك لأن الظلام مهما بدى حالكاً يهزمه ضوء خافت لكي ينير الطريق الدامس . لذا فإنهم يدافعون عن وجودهم الضال والمُضل بشراسة ويقتلون أي محاولة فكرية في مهدها .
إن هؤلاء صدق عليهم قوله الله سبحانه و تعالى حين قال :《ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سُكّرت أبصارُنا بل نحن قوم مسحورون》.
فيا من أهديتمونا كنزاً وخلوداً من الآراء كانت للعلم إثراءً
يا من علمتمونا شرف التضحية والفداءَ
يا من اكسبتمونا علماً نفاخر به في الأصداءَ
باسم كل البشرية ننحني لكم تحية تشريف (لا تقديس) وعرفاناً وإباءَ .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. انتهاء الوجود الروسي في سوريا أصبح مسألة وقت؟| نيوز زووم
.. ليبيا: مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية بانفجار سيارة مفخخة في
.. خامنئي يجري تعيينات جديدة في المناصب العسكرية العليا بإيران.
.. الضفة الغربية: الجيش الإسرائيلي يعلن قرية الطيبة منطقة عسكري
.. هل أنقذت دول الخليج إيران من ضربة أميركية غير مسبوقة؟ | #غرف