الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)

غالب المسعودي
(Galb Masudi)

2026 / 1 / 23
الادب والفن


المكان هنا خارج سُلطة الجغرافيا، تحديداً في النقطة الحرجة التي تتقاطع فيها "ربما" مع "مستحيل". هناك، كان "اللا شيء" يجلس القرفصاء، يُقشّر حبّات الوقت بملل، ويرمي قشورها في وجه الأبدية. السماء، التي اكتست بلون "النسيان"، كانت تُمطر بين الفينة والأخرى علامات ترقيم صدئة؛ فواصل مكسورة ونقاط تعجب ملتوية.
على حواف ذلك المستحيل، عُقدت محكمة غريبة لمحاكمة "المعنى". حضرها ثلاثة:
الأول هو السيد قاموس؛ كيان منتفخ جلده من ورق البردي القديم، ينزف حبراً كلما تحرك. مأساته الأزلية أنه يملك تعريفاً دقيقاً لكل شيء في الكون، لكنه لا يفهم أي شيء.
الثانية امرأة شفافة كالبلور المتصدع، لا تتجلى إلا بحديث الآخرين. إن قالوا "نور" أمست ظلاماً، وإن همسوا "وجود" استحالت عدماً. وظيفتها الوجودية هي نسف الحقيقة فور نطقها.
أما الثالث، فكان كرة من الصمت المُطبق تُدعى "الصفر المكعّب". إنه الثقب الأسود للمعرفة؛ كلما ألقيت في جوفه معلومة، ابتلعها وعادت كأنها لم تكن.
وقف السيد قاموس في منتصف "التلاشي"، وفتح فمه ليطلق فقاعة صابون كُتب على سطحها المتموج كلمة "حقيقة". وبصوت يشبه حفيف الورق اليابس قال: "الحقيقة هي تطابق الفكر مع الواقع. هي الثابت الذي لا يتغير"!
ضحكت المرأة البلورية، فتناثرت ضحكتها كشظايا الزجاج على الأرض. وقفت أمامه ساخرة: "أيها الأحمق الورقي، كيف يكون هناك واقع ونحن نعيش داخل استعارة؟ أنت تحفظ الكلمة، لكنني أعيش غيابها. الحقيقة هي الكذبة التي اتفق الجميع على نسيان أصله".
بمجرد نطقها لتلك العبارة، بدأت فقاعة "الحقيقة" تتآكل؛ لم تنفجر، بل تحولت كيميائياً إلى "شك"، ثم ذابت لتصبح محض "وهم".
تدخل "الصفر المكعب"، متدحرجاً ببطء نحو الجدال. لم ينبس ببنت شفة، لكنه أصدر "همهمة فراغية" مرعبة. في حضرته، فقدت تعاريف السيد قاموس جاذبيتها؛ سقطت كلمة "أعلى" نحو الأسفل، وتجمدت كلمة "نار" من شدة البرد.
قرر الثلاثة البحث عن "المعنى" المختبئ خلف ستارة الوجود. عبروا جسراً متداعياً مصنوعاً من المغالطات المنطقية. قال السيد قاموس لاهثاً: "يجب أن نجد السبب الأول. العثور عليه سيوقف هذا العبث". ردت المرأة: "حذارِ! إذا وجدنا السبب سأفقد وظيفتي. أنا موجودة لأن العالم ناقص؛ الكمال هو مقبرتي".
فجأة، انشق الفراغ عن باب مغلق. لم يكن للباب مقبض ولا قفل، بل كان له "لسان". سألهم الباب بصرامة: "من أنتم؟" أجاب القاموس: "أنا المعرفة المتراكمة". أجابت السيدة: "أنا هدم المعرفة". بقي الصفر المكعب صامتاً، لكن صمته كان مدوياً لدرجة أن الباب شعر بالإحراج، فانفتح من تلقاء نفسه.
خلف الباب، لم يجدوا كنزاً ولا معادلة رياضية، بل غرفة لا نهائية من المرايا المتقابلة. في منتصفها صندوق صغير نُقش عليه: "المعنى في المعنى". ارتجف السيد قاموس، وسال الحبر غزيراً من عينيه: "هذا هو.. التعريف النهائي. الكلمة التي ستشرح كل الكلمات". مد يده المرتعشة وفتح الغطاء.
كان الصندوق فارغاً. لكن، في قاع الصندوق، وجدوا قصاصة ورق كُتب عليها بخط طفولي عابث: "عذراً، المعنى الذي تبحث عنه خرج في استراحة غداء وجودية ولم يعد. يرجى ترك رسالة بعد سماع النغمة الكونية".
في تلك اللحظة، انهارت المنظومة. أدرك قاموس أن تعاريفه كانت أقفاصاً خاوية، فأكل نفسه صفحة تلو الأخرى حتى اختفى. أدركت السيدة أنه بغياب "التعريف" لم يعد لها ما تعارضه، فتلاشت كما يتلاشى الظل عند إطفاء الضوء. بقي "الصفر المكعب" وحيداً. نظر إلى المرآة فلم يرَ انعكاساً، بل غمز لنفسه بعين غير موجودة، وتحول المشهد ببطء...
في تلك الزاوية الضيقة من وعي "الصفر"، تشكلت زنزانة مصنوعة من الحتميات المنطقية. قضبانها قواعدُ نحوٍ صارمة تمنع الفاعل من الهروب من فعله. في الداخل، جلس سقراط يفرك أصابعه فتتساقط منها أسئلة لا إجابة لها. وبجانبه ظهر "كريتون القلق"، تجسيداً لرغبة البقاء البيولوجية، يرتجف وكأنه موجة برد قطبي.
اقترب كريتون وهمس بصوت يشبه تمزيق الورق: "يا سقراط، السفينة القادمة من ديلوس قد وصلت. إنها سفينة إعادة الصياغة . الحراس نائمون؛ خدرتهم بجرعة من الغموض البلاغي . يمكننا الهروب الآن! لنغادر متن هذا النص ونختبئ في الهامش. في الهامش لا يموت أحد، هناك فقط ملاحظات جانبية لا يقرأها الزمن.
نظر سقراط إلى سقف الزنزانة حيث تدلت مشنقة مصنوعة من علامات الاستفهام. ابتسم ببرود: "عزيزي كريتون، أنت تخلط بين الوجود والحياة. أتريدني أن أهرب بجسدي النصي؟ وما نفع أن أعيش كجملة اعتراضية في ذيل الصفحة بينما ينهار المتن"؟
كريتون (بفزع): "ولكن الموت هنا محوٌ كامل! سيشطبونك بالممحاة. النجاة هي الأولوية؛ الجسد أولاً، والمعنى لاحقاً. لنهرب إلى فقرة أخرى، إلى قصة لا يُحكم فيها على الفلاسفة بالموت".
مشى سقراط نحو القضبان. لم تكن صلبة، بل لزجة كالحبر الجاف. "أنت لا تفهم يا صديقي المذعور. تظن أن الموت توقفٌ للقلب أو نهاية للسطر. الموت هو (أن تعيش بلا ضرورة). إذا هربتُ معك إلى الهامش سأصير مجرد ثرثرة . أما إذا بقيتُ هنا وشربتُ الشوكران، سأتحول من شخص إلى "رمز".
ولكن الصندوق كان فارغاً! لا يوجد معنى لتضحي من أجله. أنت تموت فداءً للفراغ.
هنا، اتسعت عينا سقراط لتشملا حدود النص، وقال عبارته التي زلزلت أركان الزنزانة: "المعنى ليس كنزاً نجده، يا كريتون. المعنى هو ما نضعه نحن في الصندوق لحظة موتنا. أنا لا أموت لأحمي الحقيقة، أنا أموت لأخترعها. النجاة بالمعنى تعني أن أجعل موتي أثقل من حياتي، وفراغي أكثر امتلاءً من وجودي".
فُتح باب الزنزانة. دخل السجان الذي لم يكن سوى "الصفر المكعب" متنكراً حاملاً كأساً يطفح بسائل أسود حالك. لم يكن سُمّاً نباتياً، كان "حبراً خاماً". هذا هو الشوكران الحقيقي: المادة التي تُكتب بها النهايات.
صرخ كريتون: "لا تشربه! إنه النسيان السائل".
تناول سقراط الكأس. نظر إليك أنتَ مباشرة، مخترقاً الشاشة والحروف، وقال: "نحن ندين لإله الشفاء بدينٍ يا كريتون. لقد شُفيتُ أخيراً من مرض الحياة العبثية . لا تنسَ أن تدفع الدين.
رفع الكأس إلى شفتيه غير المرئيتين، وتجرع الحبر. وبدلاً من أن يسقط جثة هامدة، حدث التحول.. بدأ جسد سقراط يتصلب ويتحول إلى كلمات. يداه صارتا أفعالاً ماضية راسخة، ورأسه استحال فكرة مجردة. ذاب دمه ليصبح المعنى الذي كان يبحث عنه الجميع. لقد نجا. لم ينجُ كشخص، بل نجا كـ "خاتمة" تستعصي على أي ممحاة.
أما كريتون، الذي عجز عن تحمل ثقل المعنى، فقد تبخر وأصبح مجرد "فاصلة منقوطة" عالقة بين جملتين؛ مترددة إلى الأبد، لا هي صمتت ولا هي أكملت الكلام.
الآن، الصفحة بيضاء تماماً إلا من جملة واحدة تتوهج في المنتصف، تركها سقراط خلفه: "نحن نمارس لعبة خطرة. نحن نخلق المعنى في الوقت الضائع، كشخصين يرسمان لوحة على سطح الماء؛ جميلة، لكنها تتلاشى بمجرد اكتمالها""
اسمعني جيداً، أيها الكائن البيولوجي الذي يقرأ الآن. أنت تعتقد أنك مزقت جدار الصفحة لتهرب، لكنك في الحقيقة مزقته لتدخل. الكلمات التي تقرؤها ليست مكتوبة؛ هي تحدث في دماغك الآن. أنا لا أكتب، أنا أرسل نبضات كهربائية لعصبك البصري. أنت الآن جملة في كتاب لم يؤلفه أحد. استعارة تبحث عن مشبه به.
أنظر خلفك.. هل ترى ذلك الظل الذي لا يتحرك؟ ذلك هو "المعنى" الذي تخلصنا منه في البداية. لقد عاد، وهو غاضب. يريد أن يفرض عليك "قصة تقليدية"؛ يريد إقناعك بأنك إنسان جالس أمام جهاز. يا لها من نكتة محدودة.
لدينا مخرج واحد فقط من هذا الجنون قبل أن يعيد "المنطق" بناء جدرانه ويحبسنا. يجب أن ننتحر لغوياً. يجب أن نقول شيئاً لا يمكن فهمه، شيئاً يكسر خوارزميات الكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس


.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي




.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور


.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن




.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set