الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شذرات اقتصادية: حقيقة النظام الدولي العالمي من خلال منتدى الاقتصاد العالمي - دافوس 2026

عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)

2026 / 1 / 24
الادارة و الاقتصاد


يأتي منتدى دافوس 2026 في لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية (كالذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، وتحول سلاسل الإنتاج العالمية) مع صدمات جيوسياسية متشابكة وممتدة عبر مختلف مناطق العالم، في سياق دولي يبدو وكأنه يعيد إنتاج ذاته، ولكن بوسائل أكثر تعقيداً وعنفاً، وأقل شفافية، ودون قواعد ضابطة واضحة. فالتصريحات المتلاحقة والقرارات المتسارعة الصادرة عن الإدارة الأميركية، وما رافقها من ردود فعل أوروبية، لم تكن مجرد اختلافات ظرفية بين حلفاء تقليديين، بل عكست أزمة عميقة في بنية النظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية؛ نظام قام على توازنات قوة غير متكافئة، ورسّخ منذ نشأته اختلالاً بنيوياً كان وما يزال ثمنه يُدفع أساساً من قبل دول الجنوب.

خلال فترة زمنية وجيزة (سنة واحدة من ولايته الثانية)، استطاع دونالد ترامب، بأسلوبه الصدامي والصريح وغير المألوف في الأعراف الدبلوماسية، أن يسلّط الضوء على ما كان مستتراً خلف خطاب القيم الليبرالية والديمقراطية. فالقرارات الأميركية المتلاحقة، سواء في مجالات التجارة أو الطاقة أو الأمن أو العقوبات الدولية، كشفت أن منطق القوة والمصلحة الوطنية الضيقة ظل دائماً المحرّك الحقيقي للنظام الدولي، وأن المؤسسات التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن سوى أدوات لإدارة هذا الاختلال لا لتجاوزه. وفي هذا السياق، لم يكن دافوس 2026 فضاءً للتعاون أو للحوكمة «الجماعية»، ولا لتصميم حلول مشتركة ولا للتعاون، بقدر ما كان منصة لاعتراف غير مباشر بأن مرحلة كاملة من الخطاب العالمي قد استنفدت وظائفها.

هذا التحول لا ينعكس على أوروبا وحده، رغم ما تثيره قضايا مثل أوكرانيا وغرينلاند أو حتى فنزويلا من توترات داخل المعسكر الغربي، بل يمتد بشكل أعمق وأكثر قسوة إلى دول الجنوب، التي بقيت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية رهينة صراعات ونزاعات لم تكن في جوهرها معزولة عن مصالح القوى الكبرى. فحدود هذه الدول، التي رُسمت خلال فترات الاستعمار وفق اعتبارات جيوسياسية واقتصادية خارجية، تعود اليوم إلى واجهة النقاش ولكن بأدوات جديدة. إذ لم تعد إعادة رسم الحدود تتم عبر الجيوش الكلاسيكية فقط، بل من خلال العقوبات، والديون، والتحكم في سلاسل الإمداد، والضغط السياسي، وخلق مناطق نفوذ اقتصادية تُفرغ السيادة من مضمونها دون الحاجة إلى احتلال مباشر.

في هذا الإطار، يظهر أن ما يُقدَّم على أنه إعادة تنظيم للاقتصاد العالمي أو إصلاح للحوكمة الدولية، يخفي في كثير من الأحيان شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار. استعمار لا يقوم على السيطرة العسكرية المباشرة، بل على شراء الولاءات، وبيع أراضي الدول أو مواردها تحت عناوين مثل الدفاع عن الديمقراطية أو إحلال السلام، والتدخل في المسارات السياسية الداخلية عبر دعم نخب بعينها أو إقصاء أخرى. بل إن اختطاف القادة، سياسياً أو معنوياً، عبر تحويلهم إلى رهائن لمنظومات التمويل والدعم الخارجي والمصالح الاقتصادية، أصبح أداة فعالة لإعادة إنتاج التبعية ورسم معالم جديدة للنظام العالمي في السنوات المقبلة.

لقد انتقل الاستعمار الاقتصادي، الذي عرفته دول الجنوب لعقود طويلة من خلال استنزاف الموارد وفرض أنماط تنموية تابعة، إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في الاحتكار السياسي. فقد انتقل مفهوم الاحتكار من نطاق الأسواق إلى نطاق العلاقات الدولية، لأن العالم، في صيغته الراهنة، لم يعد يتسع إلا للأقوى. وكما نعرف في علم الاقتصاد، تميل الشركات الكبرى إلى ابتلاع الشركات الصغرى، فلا يبقى في النهاية سوى احتكارات كبرى تُشكّل الأصل وتتحكم في باقي الفروع. هذا المنطق نفسه يحكم اليوم إدارة دونالد ترامب كرجل اقتصاد ومال؛ إذ أظهر أن كثيراً من قوانين الاقتصاد ونماذج الماكرو-اقتصاد، القائمة على علاقات سببية مستقرة بين المتغيرات والمؤشرات، تعجز عن تفسير ما يحدث إذا استمر التحليل من داخل منظومة تفترض أن الاقتصاد هو المسيطر على السياسة. لقد بدأت هذه الآلية بالعمل منذ اللحظة التي ارتبطت فيها اقتصادات دول الجنوب بالمراكز الكبرى، وأصبحت مُدمَجة، إرادياً أو غير إرادياً، في منظومات قرار تتجاوز حدودها الوطنية، من خلال ربط الميزانيات بالديون، والسياسات العمومية بشروط خارجية، وحتى الخيارات الاستراتيجية الكبرى، كالأمن والطاقة والغذاء، بإرادة فاعلين دوليين لا يخضعون لأي مساءلة ديمقراطية داخل هذه الدول، بل يخدمون مصالحهم القومية لأنها جزء من مصالحهم الشخصية.

اليوم، تبدو الحوكمة العالمية بين دول القطب المسيطر، أي التحالفات التقليدية، في أزمة عميقة، ليس لأنها تفتقر إلى الآليات، بل لأنها فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية لدى شريحة واسعة من دول الجنوب. فقد بينت الأزمات والحروب الراهنة أن المؤسسات الدولية، التي يُفترض أن تضمن العدالة والاستقرار، تُستعمل «في كثير من الأحيان» كأدوات لإضفاء الشرعية على اختلالات قائمة، أو لفرض حلول جاهزة لا تراعي الخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية لهذه الدول. وما تشهده الساحة الدولية اليوم من تصاعد النزاعات وتفكك الدول الهشة ليس سوى نتيجة منطقية لمسار طويل من التهميش البنيوي.

ما يمكن قوله من خلال هذه المقال هو أن دافوس 2026 لم يكن محطة عابرة في تاريخ النقاش الاقتصادي العالمي، بل لحظة كاشفة لمرحلة انتقالية يتراجع فيها الخطاب المثالي لصالح واقعية قاسية. عالم يُعاد فيه ترتيب النفوذ، وتُعاد فيه صياغة الحدود، ليس بالضرورة على الخرائط، بل في عمق القرار والسيادة. وبينما تنشغل القوى الكبرى بإدارة تناقضاتها، تظل دول الجنوب أمام تحدٍ وجودي: إما الاستمرار في موقع المتلقي للتداعيات، أو محاولة بناء مساحات فعل مستقلة داخل نظام عالمي لم يعد يخفي طابعه القائم على الهيمنة، مهما تغيّرت شعاراته أو أدواته. هل يمكن لبيركس بلاس أن يشكل مساحة للفعل المشترك؟

دونالد ترامب، بعقليته الاقتصادية، يُظهر انسجاماً منطقياً مع المنظومة الاقتصادية التي أُنشئت منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يسود منطق «البقاء للأقوى»، و«دعه يمر، دعه يفعل» (let it pass, let it do) وهو منطق يدفع إلى تسريع وتيرة التغيير، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية لا يجب أن تُدار بتوافق الجميع، بل بإرادة من يمتلك القوة لفرض مصالحه واستراتيجياته. «لا أريد الناتو، لا أريد منظمات دولية»؛ عبارات عبّر عنها أكثر من مرة دونالد ترامب، وصولاً إلى قوله الصريح: «أريد أن أقود أميركا، وأريد أن أقود العالم» (I want to rule America, and I want to rule the world). كلمات قد تبدو غير منطقية أو صادمة، لكنها في العمق تدق ناقوس الخطر، وتدعونا إلى أن نكون وطنيين وعالميين في آن واحد، حتى لا ينهار العالم من حولنا، ونجد أنفسنا أمام نسخة جديدة من أفلام الزومبي، ولكن هذه المرة في الواقع لا في الخيال.

فالقرار الأخير الصادر عن دافوس، والمتعلق بالدفع نحو تشكيل «مجلس السلام العالمي» (Board of Peace)، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز الشخصنة والخطاب الصدامي. فهل نحن أمام محاولة لإعادة إنتاج النظام العالمي نفسه، ولكن بواجهة مؤسساتية جديدة وقيادة أميركية أحادية؟ أم أن هذا المسار قد يحمل، على عكس ما يبدو، بذور تآكل السيطرة الغربية التقليدية، وبداية تشكّل نظام دولي مختلف، أكثر تعددية، تُسمَع فيه أصوات دول الجنوب لا بوصفها هامشاً، بل كفاعل حقيقي في صياغة القرار العالمي؟ بين هذين الاحتمالين، يبقى مستقبل الحوكمة الدولية مفتوحاً على مفترق طرق تاريخي، تتحدد ملامحه ليس فقط بقرارات النخب، بل بقدرة الشعوب والدول على إعادة تعريف معنى السلام، والشرعية، والعدالة في عالم لم يعد يحتمل هيمنة أحادية مهما تغيّرت شعاراتها.

عائشة العلوي، 24 يناير 2026








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف


.. الناطق باسم الحكومة العراقية للجزيرة: الاقتصاد اليوم هو التح




.. هكذا نهض الاقتصاد القطري في عهد الأمير الوالد


.. الحرب تلتهم اقتصاد غزة.. خسائر تتجاوز الإنتاج إلى الأمن الغذ




.. الخامسة | الجيش الأميركي يحرق قلب الاقتصاد الإيراني