الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتاج رجل الدولة الاقتصادي
سهام يوسف علي
2026 / 1 / 25الادارة و الاقتصاد
مارك كارني ليس سياسيًا تقليديًا صعد عبر الأحزاب والخطابات، بل اقتصادي محترف دخل السياسة من بوابة الدولة لا من باب الشعبوية. شغل منصب محافظ البنك المركزي الكندي، ثم محافظ بنك إنكلترا في واحدة من أدق مراحل ما بعد الأزمة المالية العالمية، وقاد مؤسسات مالية في قلب النظام الرأسمالي العالمي. في مطلع 2025، عاد إلى أوتاوا رئيسًا للوزراء في لحظة ارتباك دولي، لا بوصفه “منقذًا”، بل بوصفه رجل إدارة أزمات يفهم كيف تتحول الأسواق إلى أدوات قوة، وكيف تُترجم الأرقام إلى سيادة.
في منتدى دافوس 2026، لم يلقِ كارني خطابًا إنشائيًا عن القيم، بل قدّم تشخيصًا باردًا للنظام العالمي: عالم يتفكك، تتراجع فيه القواعد، وتتحول فيه العولمة من إطار تعاون إلى أداة إكراه. قال بوضوح إن الدول التي لا تكون حاضرة على طاولة صياغة القواعد ستجد نفسها على “قائمة الطعام”. لم يسمِّ الولايات المتحدة، ولم يلوّح بالعداء، لكنه تحدث عن “قوى مهيمنة” تستخدم التجارة، والتمويل، وسلاسل الإمداد كسلاح. هكذا يتكلم رجل دولة يعرف أين يقف، وماذا يقول، ومتى يسمي الأشياء دون صخب.
هذا التعريف ضروري قبل طرح السؤال العراقي، لأن كارني ليس استثناءً عبقريًا، بل نتاج نظام: دولة مؤسسات، فصل نسبي بين السياسة والاقتصاد، مسار مهني يسمح للخبرة المالية أن تتحول إلى قرار سيادي. من هنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا لا ينتج العراق نموذجًا مشابهًا؟
هذا النموذج يطرح، بالضرورة، سؤالًا عراقيًا مؤلمًا: لماذا لا يظهر في العراق رجل دولة من هذا النوع؟ ولماذا يبدو إنتاج قيادة اقتصادية–سيادية قادرة على قراءة التحولات العالمية شبه مستحيل؟
الجواب لا يكمن في غياب الكفاءات الفردية، بل في طبيعة النظام السياسي–الاقتصادي ذاته. فالنظام المحاصصي المكوناتي، القائم على تقاسم الموارد والسلطات لا على إنتاج السياسات، لا يكافئ المعرفة ولا الخبرة، بل يعاقبهما. في هذا النظام، لا تُقاس أهلية القائد بقدرته على بناء قوة اقتصادية أو تقليص التبعية، بل بقدرته على إدارة التوازنات، واحتواء الاعتراضات، وتجنب الصدام مع شبكات النفوذ.
رجل الدولة، بمعناه الحديث، يمثل تهديدًا بنيويًا لهذا النموذج. فهو يطالب بمؤسسات لا بحصص، وبسياسات عامة لا بتسويات ظرفية، وبأفق استراتيجي طويل لا بدورة انتخابية قصيرة. ولذلك، لا يُفرَز رجل الدولة داخل النظام المحاصصي، بل يُحيَّد إن ظهر، أو يُستهلَك، أو يُشوَّه بوصفه “غير توافقي”.
مارك كارني لم يكن ليصل إلى موقعه لو كان مضطرًا للتفاوض اليومي مع مكونات على الوزارات، أو كتل على العقود، أو فصائل على القرار السيادي. القيادة الاقتصادية تتطلب مساحة قرار مستقلة نسبيًا، وهذه المساحة هي أول ما يُلغيه النظام القائم في العراق.
المفارقة أن اللحظة الدولية الحالية – لحظة تفكك القواعد وتسييس الاقتصاد – تحتاج العراق فيها إلى رجل دولة أكثر من أي وقت مضى. لكن البنية الريعية، وضعف المؤسسات، وتداخل السياسة بالاقتصاد، تجعل من إنتاج هذا النموذج استثناءً غير مرغوب فيه. وهكذا، السؤال الأصدق إذن ليس: لماذا لا يوجد كارني عراقي؟ بل: هل يسمح النظام العراقي أصلًا بوجوده؟ كيف لنظام قائم على إدارة الضعف أن يُنتج قيادة وظيفتها بناء القوة؟
أن غياب رجل الدولة في العراق ليس صدفة، بل نتيجة منطقية لبنية لا تسمح له بالظهور ولا بالبقاء. وفي ظل هذا الواقع، قد يبرز تكنوقراط، أو مدير أزمة، أو سياسي بارع خطابيًا، لكن رجل الدولة – كما تجسّد في دافوس 2026 – يظل خارج المعادلة، لا لندرته، بل لأن النظام لا يحتاجه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح
.. رؤية الأمير الوالد قادت التحول الاقتصادي ورسخت مكانة قطر الع
.. قراءة اقتصادية | التوتر الأمريكي الإيراني ينعكس على أمن المل
.. الصين تزيد مشترياتها من الذهب.. فهل تنجح في بناء نظام مالي أ
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه