الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق
محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي
(Mohammed Sajit Katia)
2026 / 1 / 27
مواضيع وابحاث سياسية
منذ سنوات، تهيمن على المشهد السياسي في العراق أحزاب تقليدية تمسّكت بالسلطة لا عبر مشروع وطني جامع، ولا من خلال رؤية واضحة لإدارة الدولة، بل عبر منظومة معقّدة من الأدوات التي تضمن لها الاستمرار والتمثيل السياسي.
هذه الأحزاب، التي اعتادت إدارة النفوذ أكثر من إدارة الدولة، لم تجد في البرامج أو الإنجاز أو الكفاءة وسيلة حقيقية لإقناع الناس، فاختارت الطريق الأسهل: إدارة الوعي العام وتوجيهه. وبدل أن تتنافس على الحلول الاقتصادية والخدمية، لجأت إلى تعبئة الشارع بالعاطفة، واستثمار الانقسام الطائفي، وتوظيف الرموز الدينية والاجتماعية، مستفيدة من المال السياسي والإعلام الحزبي.
ومع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت في الفضاء الرقمي أداة مثالية لتعويض فشلها السياسي، فظهرت فئة جديدة تُعرف باسم “المدونين”، أو ما يمكن تسميتهم بوضوح أكبر: الأبواق الحزبية. هؤلاء ليسوا صناع رأي مستقلين، بل مرتزقة خطاب، يوظَّفون لتلميع صورة الأحزاب، وتبرير إخفاقاتها، وشيطنة خصومها، مستخدمين لغة تحريضية مبسطة تصل بسرعة إلى البسطاء وعامة الناس. وهنا تبدأ أخطر فصول الأزمة، حين يتحول الخطاب السياسي من نقاش حول الدولة إلى صراع هويات، ومن منافسة برامج إلى معركة تعبئة وانقسام.
أخطر ما فعلته الأحزاب السياسية في العراق ليس الفساد وحده، بل تطبيع التحريض وتحويله إلى خطاب يومي. فالأبواق المأجورة، بعضهم يرتدي عمامة دينية، وبعضهم عباءة عشائرية، وآخرون وجوهاً عادية على المنصات الرقمية، يؤدون جميعاً الوظيفة نفسها: شحن المجتمع لا خدمته، وتأجيج المخاوف لا معالجتها.
هؤلاء المرتزقة لا يصنعون رأياً، بل يصنعون عدوى. خطابهم لا يقوم على تحليل أو حقائق، بل على إثارة الغرائز، واستدعاء المخاوف، وإعادة إنتاج الانقسام الطائفي والمناطقي بلغة بسيطة، مباشرة، وقابلة للانتشار. ومع التكرار، يتحول هذا الخطاب إلى قناعة لدى كثيرين، لا سيما من لا يمتلكون أدوات التمحيص أو الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومة.
يتجلى لدينا ما يمكن ان نسميه بـ السعار الاجتماعي كإنعكاس طبيعي ونتيجة خطيرة لاستخدام هذا النمط من السلوك السياسي: وهو ليس غضباً واعياً ناتجاً عن موقف سياسي مدروس، بل حالة انفعال جماعي تصيب فئات واسعة من المجتمع نتيجة التعرّض المستمر لخطاب تحريضي يصوّر الآخر بوصفه عدواً، والاختلاف بوصفه تهديداً، والنقد بوصفه استهدافاً للطائفة أو الهوية.
البسطاء يتحولون في هذا السياق إلى ضحايا سهلة، يستمعون إلى رجل دين يقدّم الموقف الحزبي كأنه واجب شرعي، أو إلى مدوّن يختزل الصراع السياسي في معركة وجود، فينجرّون إلى مواقف متشددة دون إدراك أنهم يُستخدمون وقوداً في صراع لا يخدم مصالحهم.
وهكذا تنتقل المعركة من قاعات السياسة إلى الشارع، ومن خلاف بين أحزاب إلى انقسام بين الناس أنفسهم. يتخاصم الجيران، يتوتر النسيج الاجتماعي، وتتحول الاختلافات الطبيعية إلى قطيعة وعداء، فيما تقف الأحزاب بعيداً تراقب نتائج خطابها وهي تحصد الولاءات.
الأحزاب تدرك خطورة هذا الخطاب، لكنها تستخدمه عن قصد، لأنه الأرخص والأسرع في حشد الأنصار. أما الأبواق، فيعرفون أن تصعيد التحريض يرفع قيمتهم السوقية، ويضمن استمرار دورهم. وهكذا تتغذى الحلقة المغلقة: حزب يحتاج التحريض، مرتزق يقدّمه، ومجتمع يدفع الثمن.
ختاماً، يمكننا القول إن السعار الاجتماعي ليس ظاهرة عفوية ولا حالة غضب عابرة، بل يُعدّ واحدة من أخطر وأهم النتائج المباشرة لاستخدام أحزاب السلطة التقليدية هذا الأسلوب وهذه الأداة في سلوكها السياسي، حين استبدلت المشروع الوطني بخطاب التحريض، والرؤية الجامعة بالأبواق والمدونين، وإدارة الدولة بإدارة الانقسام.
فحين تُستخدم العاطفة والطائفية أدواتٍ للحصول على التمثيل السياسي، يصبح المجتمع هو الخاسر الأكبر، وتتحول السياسة من وسيلة لبناء الدولة والمجتمع إلى عامل لتفكيكهما. وما لم يُكسر هذا النمط، ويُجرَّد التحريض من شرعيته، سيبقى السعار الاجتماعي يتغذى عليه، ويدفع المجتمع ثمناً باهضاً لوحده.
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)..
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحالف أوروبي جديد لتعزيز الدفاعات الأوكرانية في مواجهة الصوا
.. اللوحة الختامية للعرض العسكري بباريس.. مرور 4 قرون على تأسيس
.. دوي انفجارات في جزر إيرانية قرب مضيق هرمز مع استمرار الضربات
.. ترامب يعيد الحصار البحري.. هل بدأت المواجهة الكبرى مع إيران؟
.. قادة وشخصيات دولية يقدمون العزاء في الأمير الوالد الشيخ حمد